أبواب

استراتيجية التفكير بصوت مرتفع

تُعدُ استراتيجية التفكير بصوتٍ مرتفع، من بين أبرز استراتيجيات التفكير ما وراء المعرفي، والتي تشدد على أن يقوم الفرد بإظهار كل ما يفكر به أثناء معالجته لقضيةٍ من القضايا أو موضوعٍ من الموضوعات، بحيث تتطلب من المعلم أن يفكّر بصوتٍ مرتفعٍ أثناء حل المشكلة، كي يستطيع الطلبة تطبيق أسلوب التفكير ذاته، بحيث تعمل على تطوير الكلمات التي يحتاجها الطلبة للتعبير عن أفكارهم ووجهات نظرهم المختلفة. وتساهم هذه الإستراتيجية في مساعدة الطلبة على تنظيم أفكارهم وتحسينها أثناء التفكير بقضيةٍ معينةٍ، أو عند التصدي لحل مشكلاتٍ م?ددةٍ يواجهونها، وتشجعهم أيضاً على معرفة عمليات التفكير التي يقومون بها، واستغلال ما لديهم من قدراتٍ ومهاراتٍ بطريقةٍ أكثر فاعلية. وقد قام سعادة(2018) بتعريف هذه الاستراتيجية على أنها إحدى استراتيجيات التدريس المعاصرة، التي تتطلب من المتعلم أن يتحدث بصوتٍ مسموعٍ لما يدور في ذهنه من أفكارٍ حول ما يقوم بقراءته من موضوعات، أو ما يعمل على حله من مشكلات، أو ما يحاول الإجابة عنه من تساؤلات تمّ طرحها من جانب المعلم أو من أحد زملائه الطلبة.

ولاستراتيجية التفكير بصوتٍ مرتفعٍ مجموعة مهمة من الخصائص التربوية المفيدة يتمثل أهمها في أنها تعمل على توفير مناخٍ تعاونيٍ، بحيث يقوم الطلبة بالعديد من الأنشطة التي يمارسون فيها بعض العمليات العقلية كالملاحظة والاستنتاج والمقارنة، وأنها تؤدي إلى إيجاد جوٍ تعليميٍ تعلميٍ مناسبٍ لتنمية التفكير لدى هؤلاء الطلبة، لا سيما وأنها تجعلهم أكثر إدراكاً لتفكيرهم ولعملياتهم العقلية، وأنها تتيح الفرصة للمتعلمين للتعبير عن أفكارهم بكل حريةٍ، مع فهم الواقع بشكلٍ أفضلٍ خصوصاً عند تبادل الأفكار مع بعضهم بعضاً، وأنها تعمل ع?ى ربط الجوانب المعرفية بالجوانب الإجتماعية لدى الطلبة، وذلك عندما يُعبر كل متعلمٍ عن أفكاره الخاصة به ويتبادلها مع زملائه، وأنها تزيد أيضاً من نسبة الإستيعاب والتعمق بالمعرفة لدى المتعلمين.

كما يمكن لهذه الاستراتيجية أن تتم بشكلٍ فرديٍ أو ثنائي أو جماعي، مع إمكانية استخدامها من جانب المعلم أو الطالب، إضافةً إلى قيام الأشخاص بالإصغاء إلى الطالب المتحدث بصوتٍ مرتفعٍ، والإنتباه لكل فكرةٍ من الأفكار التي يطرحها، وقيام هذه الاستراتيجية على النقد البنّاء بحيث تشجع الطلبة الذين يُصغون للطالب المتحدث بصوتٍ مرتفعٍ، على الإنتباه إلى الأخطاء التي يرتكبها أثناء تفكيره، ومناقشتها معه عند الإنتهاء من الحديث، وقيام المتعلم بالتصريح عن آرائه ووجهات نظره التي يفكر فيها، وبأحاسيسه التي يشعر بها أثناء قيامه بال?همة، وتنمية قدرة الطالب على التوجيه الذاتي أثناء عملية تفكيره.

أما عن أهمية هذه الاستراتيجية للطلبة أيضاً، فتتلخص في أنها لاتُمكِن الطالب فقط من التفكير بصوتٍ مرتفع عما يجول في خاطره من عمليات ما وراء المعرفة وبخاصةٍ من حيث التخطيط والمراقبة والتقويم، بل إنها كذلك تنمي لديه القدرة على معرفة عمليات التفكير التي يستخدمها، حيث تجعل الطالب يستغل جميع قدراته بشكلٍ إيجابي. كما أنها تمثلُ تقنيةً تجعل الطالب يزيد من مستوى تحكمه بقدراته، ومعرفة كيفية إستغلال هذه القدرات بالشكل المناسب، بالإضافة إِلى أنها تُخرج الفرد من التفكير بطريقةٍ عشوائيةٍ إلى التفكير بطريقةٍ منظمةٍ، تجعله?يوجه ذاته ويتحكم بعمليات تفكيره ومعالجتها، وكونها تعمل على مساعدة الطالب في تنظيم أفكاره والعمل على تنميتها، وتشجيعه على الاستمتاع بما يقوم به، لأنه ينتج المعرفة بطريقة منظمة تجعله يصل إلى عدة أفكارٍ مطلوبة. كما أنها تعمل على تنمية المستويات العليا من التفكير لدى الطالب، وتزيد من دراية الطالب بقدراته وبعمليات التفكير التي يقوم بها.

أما عن خطـوات استراتيجية التفكير بصوتٍ مرتفع فتتلخص في تحويل ما يفكر به الطالب وجميع تخيلاته إلى كلامٍ مفهومٍ، بحيث يسمعه الآخرون ويسمعه هو، ثم التحدث بصوتٍ مرتفعٍ أثناء تفكيره، وبكل خطوةٍ يقوم بها في دماغهِ لمعالجة مشكلة ما أو قيامه بمهمةٍ معينة، والتحدث بصوتٍ مرتفعٍ حول كل ما يدور في داخله من عمليات تفكيرٍ قبل أن يبدأ بالمعالجة، كأن يقول: » ماذا أريد أن أفعل؟، ومتى أفعله؟، وكيف أفعله؟و لماذا أفعله؟، وهذا أفضل من هذا؟، والتحدث بصوتٍ مرتفعٍ أيضاً بكل الأفكار التي تخطر في باله وهو يفكر بمهمةٍ معينةٍ أو يتصد? لحل مشكلةٍ ما، والتحدث بصوتٍ مرتفعٍ بكل ما قام به مثل: التفكير قبل البدء بمعالجة القضية، والتفكير بالأمور التي قام بها أثناء معالجة المشكلة، والتحدث بصوتٍ مرتفعٍ بكل ما يفكر به بعد معالجته للقضية أو المشكلة، على أن يتضمن كلامه عن خططهِ لما فعل وما سيفعل ومتى سيقوم بالخطوة أو الإجراء المطلوب.

وبالنسبة لطرائق استخدام استراتيجية التفكير بصوتٍ مرتفع، فقد قام العلماء بتقسيمها إلى طريقتين رئيستين، وأشاروا إلى أن هاتين الطريقتين يتم استخدامهما من جانب الفرد أثناء تفكيره بصوتٍ مرتفع، وذلك للتعرف إلى العمليات المعرفية التي توجد لديه، وهما طريقة التعبيرات اللفظية المتزامنة، التي تتم عندما يقوم الفرد بالتعبير اللفظي عن أفكاره، مما يجعله يستحضرها فوراً داخل عملياته المعرفية، أي أنه يُعبر عن أفكارهِ في مهمةٍ ما أو حل مشكلةٍ معينة في زمن أداء المهمة ذاته، وطريقة التعبيرات اللفظية الرجعية، التي يقوم الفرد با?تعبير لفظياً عن أفكاره التي حدثت معه سابقاً، أي بعد إنتهاء زمن مهمةٍ ما، أو حل مشكلةٍ معينة.

أما عن دور المعلم في تطـبيق استراتيجية التفكير بصوتٍ مرتفع، فلابد هنا من توضيح كيفية تطبيق هذه الاستراتيجية من جانب المعلم، كي يتعلمها الطلبة من بعده، كون المعلم يمثل النموذج الذي يُحتذى به من جانب الطلبة، وأنه لابد من اتباع خطوات محددة تتمثل في قيام المعلم بقراءة المشكلة أو المهام المراد التفكير بها بصوتٍ مرتفع، والعمل على استيعاب المشكلة أو المهام المراد التفكير بها بشكلٍ جيد، وقيام المعلم بتحديد المعطيات المطلوبة بصورةٍ رمزية، وتحديد العملية المستخدمة بدقة، وقيام المعلم بتوضيح المطلوب من هذه العملية الم?تخدمة، والقيام بتنفيذ العمليات العلمية الواجب إجرائها، على أن يقوم بعدها بمراجعة خطوات حل المشكلة، عن طريق التحدث عن جميع الخطوات التي مر بها أثناء حل هذه المشكلة أو المهمة، مع البيان للطلبة أنه لا توجد أَي فكرةٍ غير مهمةٍ، ولا توجد أي خطوةٍ غير ضروريةٍ، ولكن المراد من ذلك الوصول إلى الفكرة أو الحل المناسب أكثر من غيره. وأخيراً تأتي خطوة تفسير الحل، حيث تتم مناقشة جميع الطلبة في الحل الذي تم التوصل إليه، ولماذا تم إختيار هذا الحل بدلاً عن غيره من الحلول، وهل من الممكن أن يتم حل هذه المشكلة أو المهمة بحلٍ ب?يلٍ أو بطريقةٍ بديلة.

مما سبق، يمكن الاستنتاج بأن استراتيجية التفكير بصوتٍ مرتفع ما هي سوى تلك الاسترتيجية التي لها نمط معين تختلف به عن الاستراتيجيات الأخرى، وأن استخدام التفكير بصوتٍ مرتفع يعطي صورة شاملة وصادقة ومتكاملة عن الأفكار والعمليات المعرفية التي يقوم بها الفرد، بالإضافة إلى أنها ستظهر ما يود الطالب الوصول إليه بشكلٍ عام، وما يود تحقيقه من أهداف في المواد الدراسية المختلفة بشكل خاص. لذا، فإن هذه الاستراتيجية تُمكِن المعلم من استخدامها بكل سهولةٍ ويُسرٍ لتعليم الطلبة على خطواتها، وكيفية استخدامها بمهارةٍ عالية، وتزيد ?ن نجاح العملية التعليمية التعلمية، مما يؤدي إلى إكساب الطلبة استراتيجية التفكير بصوتٍ مرتفعٍ لتساعدهم على الاستفادة منها في المجال التعليمي وفي مجال الحياة بشكل عام، لا سيما إذا ما تم استخدام هذه الاستراتيجية بطريقة صحيحة.

خبير المناهج وطرق التدريس

profjawdat@yahoo.com