أحسنَ رئيس الوزراء بشر الخصاونة بوضعه حجم الفساد في المنظور الصحيح في خطاب الرد على مناقشات الثقة في 13 كانون الثاني 20201، عندما قال:
«وتعدكم الحكومة بأن تتصدى لمظاهر الفساد بكل حزم وشفافية، مشدداً في هذا الصدد بأن الخير والعفة والطهر، ونظافة اليد، تبقى القيم السائدة لدى كل الوطنيين، وفي المؤسسات الأردنية. وأن مظاهر الفساد هي بقعه سوداء صغيرة، في محيط واسع أبيض، جعل هذا الوطن دوماً أمثولة طيبة، ومحطاً للفخر والاعتزاز.
وسنعمل جميعاً، بإذن الله، على استئصال هذه البقعة السوداء. ويتعين علينا في ذات الوقت، أن لا نقع في شرك إعطاء الانطباع الخاطئ في أن هذه البقعة السوداء الأصل، إنما القاعدة الشاذة، كما هي بالفعل».
كلامٌ دقيق.
وتنبعُ دقته من بُعدين.
الأول ويتمثل في أنّ الفساد موجود وأن المعركة ضده و«استئصاله» لا هوادة فيهما. وهو الأمر الذي أولّ من بادر إلى تأكيده جلالة الملك عندما أشار في أكثر من مناسبة إلى أولوية محاربة الفساد و»اجتثاثه» من جذورة، وإلى أن «لا حصانة لفاسد». ورئيس الوزراء يؤكد على المبدأ ذاته، وعلى أنّ الحكومة ماضية في تطبيق الرؤية الملكية في هذا السياق.
أما البعد الآخر، الذي لا يقل أهمية، فيتمثل في الدّقة المتعلقة بحجم الفساد في الدولة والمجتمع.
وهذا أمر مهم أيضاً وكان جلالة الملك أول من أكّد عليه في أكثر من مناسبة، ومنها الكلمة التي ألقاها في 20 شباط 2011 في لقائه رؤساء وأعضاء السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، عندما قال:
«وعندما نتحدث عن الفساد تحديداً، فالمطلوب من الحكومة، ومن مجلس الأمة، ومن الجميع، التحرك الفوري للتعامل مع أي موضوع مطروح، إذا كان هنالك شبهة فساد، يبدأ التحقيق فيها فوراً، وإذا الاتهامات غير صحيحة، يتم توضيح ذلك، ويتوقف الاتهام، لأن الاتهام غير المسؤول، يسيء للبلد ومكانته، ولا يجوز السماح لأحد، أن يشوه صورة الوطن المشرقة، على غير وجه حق». كلام جلالته، الذي يستند إليه خطاب رئيس الوزراء، في منتهى الدقة، فالاتهام «غير المسؤول، يسيء للبلد ومكانته» و«يشوه صورة الوطن المشرقة».
وهذا مع الأسف ما حصل في العشر سنوات الأخيره، إذ نسي الناس أو تناسوا الجزء الثاني من الكلام، وركزوا على الجزء الأول.
الخطأ الذي حصل هو في المبالغة في تصوير حجم الفساد، بمفهومه الفضفاض الواسع المبهم وأحياناً اللامسؤول. لدرجة أن من يُتابع ما يقال في جلسات الناس، ومعظمها جلسات نميمة، وفي بعض الصحف ووسائل الإعلام وفي وسائل التواصل الاجتماعي بالتحديد، يظن أن الأردن مُتخم بالفساد وأن الأفراد في بلدنا كلّهم فاسدون.
مبالغة ما بعدها مبالغة، وتُهم تُكال للناس دون وازع ودون دقة ودون ضمير. وهذا أمر يضرّ بالوطن ويضرّ بمؤسساته المحترفة وبمسؤوليه الجادين وبأبنائه الشرفاء.
ما يُثلج الصدر في خطاب رئيس الوزراء أنه يُذكّر بضرورة وضع الفساد في حجمه الحقيقي وبعدم إيذاء الناس وتشويه الدولة والوطن.
وهذا أمر حاسم في المعركة ضد الفساد لأن تعويم الفساد وتمييعه وإخراجه عن حجمه يُضعف المعركة ضده ويُفشلها.
الّدقّة الدّقة.
الدّقة الدّقة
12:00 24-1-2021
آخر تعديل :
الأحد