كتاب

شكراً لك يا وطني

نحن قليلاً بل نادراً ما نشكر أحداً، شوفينية وشوفة حال أو لربّما بخل في هذا الإتجاه، أو قليلاً ما يستحقّ أحد في رأينا أن نتعطّف نتلطّف نتنازل ونشكره. وإن صدرت هذه الكلمة فالكثير منّا ينتابه النّدم طيلة عام. يعتكف في منزله، يحرص على أن لا يعرف أحد أنّه قد زُل بهذه العبارة التي تصدر بعد طلق صعب، وولادة عسيرة قد يضطرّ فيها مبضع المشكور أن يستعمل الولادة القيصرية فيها لإخراجها غصباً عن حاملتها/حاملها. نحن..نشعر بذاتنا تتضاءل أمام من نشكره، تعوّدنا على الانتقاد والنّقد...كذا. قد يقول قائل: «ويحك يا رجل» لماذا تعشق جلد الذات..بالذّات؟ كيف لا! وثقافة العيب متأصّلة فينا، ولفظ اللّا؛ هو أوّل ما نسمعه عندما نخرج إلى الدّنيا صارخين...واااا...لاااا..

لكن.. سأشذّ عن خطّنا وسأشكر وطني (الأردن)، وطنُ حبيب عظيم هو في مصاف الأمم العظيمة التي تفعل المستحيل لمصلحة المواطن فيها لخيره ولدرء المصائب والأوبئة عنه. في موضوع اللقاح كان الأردن يفوق الدّول المسمّاة (كبرى)..هكذًا. فالأردن (كبرى) وأكبر في نخوته, في شعبه. الأردن سبّاق في موضوع اللقاح درءا للوباء اللعين ملعون الوالدين (كورونا). يتعامل مع مواطنيه تمامًا كما الأبّ لبناته وأولاده, رغم المصاعب وضيق ذات اليد والكثير من المشكّكين وممن يضعون العراقيل في وجهه. الأردن فاق وسبق كثيرًا من الدول في هذا الموضوع بالذات, في الوقاية، في الحرص على بنيه وفي تأمين اللقاح لهم جميعهم و(مجّانًا)..رغم الحاجة والمديونية والخرق الكبير في كيس نقوده.

منذ فترة طلبت إعطائي المطعوم بواسطة الموقع الإلكتروني بتردد كبير قبل الطلب وندم بعده. أوّل من أمس وصلتني رسالة صيغت بمهنية عالية؛ بتحديد مكان وزمان أخذي اللقاح. نمت على كلّ جنوبي من قلق ملعون. لم يترك اللعين إبليس أبناء له يرتدون عباءات سوداء بعضهم برؤوس والكثير (..بلا..بلا)؛ إلّا أوفدهم في قعر جمجمتي ليثنيني عن قراري. كنت أقوم مستعيذاً بالله من كل أبالسة الجنّ والإنس الذين تفلسفوا فشكّكوا..

حان الموعد وكان بعد الظهر. لم أغادر المنزل في ذلك الصباح على غير عادتي.. شعرت بضرورة وداع الأهل والتلفاز وهاتفي الخليوي والشجر والطيور من حولي. ارتديت أحلى ما عندي من ثياب.. كأنها ثياب الوداع. متوجهاً مع ابني حماه الله، والذي أصر على مرافقتي ممّا أشعرني بالبهجة وجديّة الأمر.

دخلنا مشفى الأمير حمزة، هكذا كان نصيبي.. قاعة كبرى بها العديد من المقاعد المزدوجة والفردية، أعطونا رقماً للدور. كانت القاعة تعجّ بالحضور لكن لا صوت لا ضجّة الجميع ينتظر وكأنّ على رؤوسهم الطير. لمحت ذاتي في الوجوه جميعها. هم أصحابي وخلاني ولو أنني لم أعرف أحداً منهم. كنّا في سنّ متقاربة، ذلك لعمري ما كان ليتأتى في أي زمان ومكان سوى في هذا الوضع, هذا الزمن. استأنست بالحضور، رأيت أن الكثيرين مثلي دخلوا مرحلة متقدّمة من السنّ, لكن شباباً في جلساتهم في صمودهم في إقبالهم على الحياة، في تبرّعهم ليكونوا طلائع في تجربة اللقاح..حماية لأولادهم ولوطنهم.

نودي على رقمي. دخلت حيث الشباب يتولّون إعطاء اللقاح بهدوء باحترام بحرفنة. سجل اسمي على الحاسوب، بدأت صبيّة في تجهيز الإبرة، سمّيت بالرحمن، وتمّت العملية بسرعة بسهولة بحرفنة. كنت قد علمت أنّ بعض المتفذلكين رفضوا أخذ نوع معيّن من اللقاحات, هم بدرجات أعلى ممن اخترعوه من عظماء العلماء!. لم أعرف ما مصدر لقاحي ولا اللغة التي يرطن بها إلّلا عندما شكرت الصّبيّة ب.(الصينية).. شكرا يا (الصين). لم نر منك إلا الخير أما الآخرون ف..بلا!.

بعدها وبحرفية استلمت على هاتفي رسالة تعلمني بموعد الجرعة الثانية..

شكراً يا وطني.. شكراً يا الأردن الحبيب العظيم الكبير في مقامه في محبته لبنيه. وقانا الله من كلّ الشرور.. عاش الأردن..