كتاب

النفي من «التويتر»

قامت شركة تويتر قبل أيام بحظر حساب الرئيس الأميركي ترمب بعد أحداث الشغب الأخيرة في واشنطن العاصمة ومبنى الكابيتول تحديدًا، متهمة ترمب بتأجيج الفوضى وتشجيع أعمال الشغب بمنشوراته «تلميحًا وتصريحا» ولحقتها كبريات شركات التواصل الاجتماعي، كفيسبوك وحتى اليوتيوب كذلك، وتم بعدها حظر وازالة أي تطبيق من متاجر جوجل وأبل، قد يمنح ترمب أي مساحة لمخاطبة الجماهير.

قد تتفق مع هذه الإجراءات وقد تظنها أتت متأخرة، بعدما استعمل ترمب حسابه الذي يتابعه ٨٨ مليون انسان في تهديد الدول والأشخاص، والتشكيك بنزاهة الانتخابات وعدم الاعتراف بنتائجها، وتشويه القضايا العامة الاميركية والعالمية، وقد تبرره أيضا مخالفة الرجل لسياسة الشركات، مما يمنحها الحق في تطبيق قواعد الاستعمال الخاصة بها وحظر الحساب لاسيما أن ترمب قد خسر الانتخابات وتفصله أيام عن مغادرة البيت الأبيض ولا يملك مقدرة كبير على التسبب بضرر مادي لهذه الكيانات، وما حصل في واشنطن العاصمة كان أقرب لمحاولة الانقلاب باستغلال غضب الغوغاء، فاستلزم الحظر والاسكات التام لكبح جماح التأثير المدمر لما ينشره.

لكن يبقى السؤال الأهم هو مدى قوة هذه الشركات على اسكات أقوى رجل في العالم؟ وهي التي تخلو ساحتها من أي منافس بعكس ما تواجهه وسائل الاعلام التقليدية كالصحف والقنوات الإخبارية المتلفزة التي لجأت هي نفسها لهذه المنصات لزيادة الانتشار، مما يعني حرمانه من التواصل مع جمهوره وحرمان المشتركين من سماع رأيه كذلك، وهل تخضع هذه القوة لأي ضوابط او اعتبارات أخلاقية أو قانونية، تؤطر تكرارها المتوقع في حالات أخرى؟

بررت شركات التواصل الاجتماعي مساهمتها في انتشار الشائعات والاخبار الكاذبة بدعمها لحرية التعبير التام، وأنها تترك رواج الافكار لرحمة وقوة سوق الجمهور، متناسية دور خوارزمياتها في ترسيم حدود وأعداد هذ الجمهور، لكنها اليوم تضع سقفًا غير واضح لحرية التعبير، مما يسبب اشكالًا خصوصِا في غياب بديل لهذه المنصات وادمان الناس عليها كمصدر للمعلومات والاخبار وتبادل الأفكار ونشرها. فعدمنا تحرك الحكومات من حرية التعبير يشكل الجهاز القضائي مخرجًا منطقيا لهذه الازمة فهو يطبق قوانين شارك الناس في صياغتها بطريقة غير مباشرة عبر مجالس النواب المنتخبة، مما يمنح شعورا بالعدالة والمساواة للأفراد ويضبط ويقيد سلطة الحكومات، لكن هذا لا ينطبق على عالم هذه الشركات الافتراضي الذي استحوذ علينا.

شكلت منصات التواصل الاجتماعي متنفسًا للمجتمعات والافراد في منطقتنا، وكذلك أداة للمحاسبة والضغط والمطالبة بالحقوق أو دعم وابراز القضايا العامة وتسليط الضوء عليها وعلى أصحابها، الصوت الذي امتلكته المجتمعات والذي غير قواعد اللعبة السياسية في بلادنا قد يتم اسكاته بحجة الترويج للفوضى مثلا وقد تتعرض الدول والمؤسسات لهذه الخطر أيضا فتفقد قدرة التواصل مع جمهورها، من دون أن يمتلك أي حساب (لفرد أو لمؤسسة) أي قدرة على الدفاع عن النفس فهذه المنصات قد تتحول بلحظة الى دول شمولية بأحكام عرفية يساوي الحظر فيها السجن الانفرادي.

Saifalrawashdeh0@gmail.com