عرف الفيلسوف والمفكر الانجليزي الشهير (توماس هوبز) العقد الإجتماعي بأنه: «مجموعة القوانين والمحددات التي اتفق عليها الشعب والحاكم, من أجل تنظيم المجتمع نحو الأفضل والعيش بسلام ومساواة وعدالة ولا يمكن لأي شخص كيفما كان أن يخرق هذه القوانين», ويقول الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأميركية (ابراهم لينكولن): إن الديمقراطية هي: «حكم الشعب بواسطة الشعب ولأجل الشعب», وأن النظام الديمقراطي يعطي المواطنين القدرة على تغيير حكامهم سلمياً».

لقد أفرزت نظرية العقد الاجتماعي أنواعا مختلفة من النظم السياسية, اختارت كل دولة النظام الذي يتناسب وطبيعتها, فمنها من اختار النظام الرئاسي ومنها من اختار النظام النيابي, ومنهم من أبقى على الحكم الملكي الدستوري في إطار ديمقراطي نيابي.

وبعيداً عن ذلك فإن حديثنا سوف يكون عن النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأميركية, في ظل الأحداث التي اندلعت من قبل مجموعات متطرفة من أنصار الرئيس ترمب, اعتراضاً على نتائج الانتخابات الرئاسية. إن المتمعن في الدستور الأميركي عام 1797 يدرك حجم الصلاحيات والنفوذ التي نص عليها الدستور الأميركي لرئيس الدولة, فهو من يملك السلطة العليا ويتخذ القرارات المصيرية المتعلقة بكافة الشؤون الداخلية والخارجية.

ورغم ذلك هناك أيضاً توازنات في النظام السياسي الأميركي كفلها الدستور, تمكن السلطة التشريعية بشقيها النواب والشيوخ من كبح جماح الرئيس فيما إذا حاول خطف الدولة باتجاه يخالف المبادئ السامية للديمقراطية الأميركية, فالولاء أولاً وأخيراً للدولة.

أعتقد أن شخصية الرئيس ترمب وما فعله من إساءة لبلاده, يتفق وما قاله وزير الخارجية الأسبق (هنري كيسنجر) في كتابه (سنة البناء) وصف فيها عدداً من الرؤساء بالغباء والنقص وعدم القابلية للفهم, وذكر منهم بوش الإبن, بأنهم غير ضليعين, وليس لديهم تجربة بالسياسة. بل إن كثيراً من المثقفين الأميركان يرون أن ترمب رجل صدامي ولا يستوعب ما يدور من حوله, ولا يعرف التاريخ, وأنه غير متزن، وغير ملم بمجريات العلاقات الدولية، كما أن يميل إلى الجماعات اليمينية العرقية المتطرفة البيضاء, وكثير من أحاديثه وتعليقاته كان محل سخرية وتهك? داخلياً وخارجياً.

لقد تعرض ترمب لكثير من الانتقادات على المستويات السياسية والشعبية كافة, سواء تعلق ذلك بإدارته للأمور الداخلية أو الخارجية, وقد كان ذلك سبباً لاستقالة عدد من وزرائه ومساعديه ومستشاريه, لعدم قناعتهم بكثير من القرارات التي أساءت كثيراً لعلاقة واشنطن مع كثير من الدول التي كانت تعتبر صديقة.

لقد استنفد ترمب جميع الوسائل التشريعية والقضائية للطعن بنتائج الإنتخابات, ثم دفع أنصاره للتظاهر واحتلال مبنى البرلمان, وأدخل البلاد في أزمة خانقة, دفعت الديموقراطيين وحتى بعض الجمهوريسن للمطالبة بتطبيق التعديل الدستوري (25) بعزله من منصبه, ولكنه ما زال يهدد رغم قبوله بنتيجة الانتخابات بإعاقة نقل السلطة بمظاهرات صاخبة من قبل أنصاره. لقد أحدث ترمب شرخا كبيرا في نسيج المجتمع الأميركي, ولكن بالنهاية لا يصح إلا الصحيح, فالولاء للدولة والأولوية للمواطنة, فإن كانت الديمقراطية تعبر عن الحرية والعدالة, فلا ننسى أن ?ها أنياباً تحمي نفسها مهما كان خصمها.

مستشار واستاذ القانون الدولي العام