رحل عن عالمنا قبل أيام، أحد أبرز أعمدة السينما المصرية خلال العقود الأخيرة، مكتشف النجوم وصانع المخرجين، الكاتب والسيناريست وحيد حامد، بعد حياة حافلة بالعطاء الابداعي، تاركا خلفه إرثا كبيرا من المسلسلات وعشرات النجوم والمخرجين الذين كان سببا في اكتشافهم.
بدأ وحيد حامد حياته المهنية بكتابة مجموعة قصصية بعنوان «القمر يقتل عاشقه»، وتتلمذ على يد عدد من الكتاب والأدباء الكبار، ونصحه يوسف إدريس بالكتابة للسينما والتلفزيون، وهو ما فعله حامد ونجح فيه، ليكسب العالم العربي مؤلفاً سينمائياً من طراز استثنائي.
ميّز حامد نفسه عن غيره من أبناء جيله عندما أدخل المناقشات الجادة حول القضايا الكبرى والأزمات المجتمعية إلى البيوت العربية، وحذّر مبكرا من خطورة التطرف والتعصب، كما انتقد بقسوة الأوضاع المجتمعية والسياسية، قافزاً فوق الحواجز الرقابية بطرق كثيرة من بينها أن يضع مشهداً جريئاً في نص السيناريو ليجعل الرقباء ينشغلون بالتعليق عليه ويطلبون حذفه ولا ينتبهون للرسائل التي يرغب في تمريرها حقاً.
بدأ حامد مشواره مع سحر الدراما من خلال ميكرفون الإذاعة، فقدم 15 مسلسلاً، ثم قدم مسرحيات من بينها «كباريه»، و«الرجل الذي يريد أن يضحك»، و«يا عالم نفسي أتسجن»، وكان أبرز الأبطال حينها سناء جميل، وسعيد صالح، وعبد المنعم إبراهيم، وأمين الهنيدي.
وفي عام 1977 بدأ مشوار وحيد حامد مع السينما بفيلم «طائر الليل الحزين» مع محمود عبد العزيز، ومحمود مرسي، ونيللي. ثم قدم خلال تلك الفترة مسلسلات منها: «أنا وأنت ورحلة العمر» لنور الشريف، و«أحلام الفتى الطائر» لعادل إمام، و«سبع صنايع» ليونس شلبي، و«أوراق الورد» لوردة.
وكان وحيد حامد غزير الإنتاج، وهي الصفة التي لم تؤثر يوماً في جودة صنعته، إذ قدم 85 عملاً، بينها اثنان قيد الإنتاج، ومنها الجزء الثالث من مسلسل «الجماعة» حول تاريخ جماعة الإخوان المسلمين الذي لم يُعرف مصيره حتى الآن، وفي درج مكتبه أيضاً سيناريوهات لم ينتهِ منها.
يعد وحيد حامد الأب الروحي الأبرز لأجيال السبعينات والثمانينيات والتسعينيات في السينما، إذ وضع بصمة خاصة على مشوار كبار النجوم في تلك الحقبة، وأسهم في مس§يرتهم بقوة، ومن أبرز ما قدمه مع أحمد زكي مثلاً «البريء»، و«معالي الوزير»، و«اضحك الصورة تطلع حلوة». كما قدم أعمالاً لا تنسى مع محمود عبد العزيز، من بينها «الدنيا على جناح يمامة»، و«سوق المتعة»، ومسلسل «البشاير»، ومع نور الشريف «غريب في بيتي» (بمشاركة سعاد حسني)، و«آخر الرجال المحترمين»، و«كل هذا الحب»، و«دم الغزال».
وتعاون حامد مع عشرات النجوم الكبار، مثل: ليلى علوي، ويحيى الفخراني، ويسرا، وفاروق الفيشاوي، ومحمود حميدة، ونادية الجندي، ونبيلة عبيد التي يعد فيلمه «الراقصة والسياسي» (1990) معها من أكثر الأعمال العالقة بالأذهان، سواء لجرأة قصته أو لأفكاره وجمله الحوارية التي تتردد على ألسنة الجمهور دوماً.
شكّل الكاتب الراحل ثنائيا سينمائيا مع النجم عادل إمام، استطاع من خلاله إبراز الوجه الآخر للممثل المشهور بأدواره الكوميدية. حيث كانا عنواناً لحقبة سينمائية قصيرة، لكنها تمثل قمة إبداعهما معاً، حيث قدما منذ مطلع التسعينات وحتى منتصفها أفلام «اللعب مع الكبار»، و«المنسي»، و«الإرهاب والكباب»، و«طيور الظلام»، و«النوم في العسل»، قبل أن يعودا ويلتقيا مجدداً عام 2006 في «عمارة يعقوبيان» الذي كتب له الراحل السيناريو والحوار، بينما كان الإخراج لنجله مروان حامد.
ومثلما كان لوحيد حامد يد في صنع أسماء كبار نجوم السينما، فقد أسهم أيضاً في مشوار الجيل الأحدث، ولم ينفصل يوماً عن التطورات التي تحدث، فكما تعاون مع عاطف الطيب، وشريف عرفة، ويحيى العلمي، تعاون أيضاً مع شباب المخرجين حينها، الأمر الذي أسهم في تقديمهم للساحة (ومنهم محمد ياسين وتامر محسن)، بالتوازي مع نجوم هذا الجيل: منى زكي، وهند صبري، وروبي، وحنان ترك، ودرة، وهاني سلامة، وهاني رمزي. فقد كان كاتباً عابراً للأجيال يعرف كيف يصل مباشرة للجمهور، ومع ذلك لم تكن تملي عليه الجماهير ما يكتب، كان يعرف أن مسؤوليته في أن يقوم هو أولاً بالحديث عن المسكوت عنه.
كتب حامد مقالات سياسية واجتماعية في صحف مصرية عديدة، وكان يحظى بجمهور واسع من القراء، كما أشرف على ورشة السيناريو بالمعهد العالي للسينما لمدة أربع سنوات، تتلمذ على يديه خلالها عدد من أفضل كتاب السيناريو.
حصل حامد على جائزة النيل في الفنون عام 2012، وكرمته مهرجانات عديدة منها مهرجان دبي السينمائي عام 2017، ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2020 الذي شكل أخر ظهور له قبل رحيله حيث مُنح جائزة الهرم الذهبي لإنجاز العمر.
وحيد حامد .. صانع النجوم ومكتشف المخرجين
10:33 5-1-2021
آخر تعديل :
الثلاثاء