الكساد العظيم هو أكثر الأزمات شبهاً بما نمر به اليوم من تحديات وصعوبات، فأزمة ٢٠٠٨ المالية الأخيرة، مع وصول تداعياتها لعدد كبير من الدول والكيانات حول العالم، لكنها بالأساس أصابت عددا محدودا من الاقتصاديات المتقدمة وكانت القطاعات المصرفية صاحبة الحصة الكبرى من الأضرار المباشرة لها، أما الأزمة الحالية فقد طاولت الجميع دولا ومؤسسات وأفرادا، وتركت تداعيات اجتماعية ونفسية وسياسية، ناهيك عن الصحية والاقتصادية.
ومن الدروس التي تعلمناها من الكساد العظيم، هو أن عقدة التحديات الاقتصادية تقع في انخفاض الطلب على السلع والخدمات، وهذا الانخفاض يبعث بارتدادات متصلة ومتتابعة كوقوع أحجار الدومينو إلى كل المجالات والأسواق، ويؤثر على نسب النمو ومعدلات البطالة وانتشار الفقر في المجتمعات.
انتشار الوباء سبب انخفاضاً للطلب بسبب إجراءات الحجر والإغلاقات العامة كما حصل مع قطاع السياحة أو المطاعم والمدارس أو نتيجة الضغوطات المالية التي أصابت الأفراد بعد انخفاض الأجور أو الانقطاع الكامل والجزئي عن العمل أو بسبب التشاؤم وانعدام الثقة بالمستقبل الاقتصادي الاستثماري مما يدفع الناس للميل إلى الادخار.
العمل على رفع مستوى الطلب في السوق المحلية هو أولوية حكومية بامتياز للإسراع بالخروج من الأزمة وتبعاتها، فزيادة الطلب (الانفاق) كفيلة بتحريك عجلة الإنتاج ودوران السيولة في السوق، ومكافحة البطالة والفقر، وأولى الخطوات في هذا المجال يكون بتبني سياسة إنفاق رأسمالي للسنوات القادمة ومبادرة بطرح مشاريع كبرى كمشاريع البنية التحتية وغيرها، لزيادة نسب التشغيل ورفع مستويات الدخل وتحريك السوق، وكذلك تخفيف كلف التشغيل والإنتاج للقطاعات المتأثرة المختلفة بشرط المحافظة على قوى العمل لديها.
سبب إطالة أمد أزمة الكساد كان جو التشاؤم العام والنظرة السلبية للمستقبل الاقتصادي، وهذا مشابه لما تعانيه السردية الاقتصادية الأردنية من تشوهات تحول دون بعث التفاؤل بالمستقبل الاستثماري للبلاد، لهذا فإعادة اكتساب ثقة الشارع بالحكومة وبمحكياتها الاقتصادية وآليات إدارتها للأزمة ضروري، لتمكن من نشر جو من الأمل بالغد المالي والاستثماري ولجذب الاستثمار وتشجيعه وتحفيز المؤسسات والأفراد على الانفاق المربح.
يبقى أن الدرس الأهم للكساد هو أن تعمل الحكومة على منع حدوث الأزمات والكوارث، والسيطرة عليها في حال حدوثها، هذا يقع في دائرة السهل الممتنع، فالوباء بملفاته المتداخلة فاجأ الجميع، لكن تخفيف حدة التحديات وعدم مفاقمتها هو نتيجة للقرارات التي اتخذناها وننوي اتخاذها مستقبلا، لذلك فنحن من نتحكم بحرارة ومرارة ملفات الغد الساخنة.
يقول الفيلسوف الألماني ج. فريدريش هيجل: «نتعلم من التاريخ، أن أحداً لا يتعلم من التاريخ»، وكذلك قال كارل ماركس: «التاريخ يعيد نفسه مرتين.. في المرة الأولى كمأساة وفي الثانية كمهزلة» كما قال الرئيس الأميركي هاري ترومان: «لا جديد في هذا العالم إلا ما تجهله من التاريخ»، هذا يذكرنا بضرورة الاستفادة من دروس وتجارب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية السابقة، لتقليل الأضرار الناجمة عنها وتخفيف المعاناة عن الناس ولنتمكن من التغلب على تحدياتها بأسرع وقت وأقل خسائر ممكنة.