هناك اعتقاد سائد عند الكثير من العلماء, بأن مؤسس علم الاجتماع هو المفكر والفيلسوف الفرنسي (إميل دوركايم) 1858- 1917. فإذا ما ابتعدنا عن الفلاسفة الإغريق, فإن المفكر العربي التونسي الاصل ابن خلدون هو فعليا من أهم مؤسسي فلسفة علم الاجتماع قبل ذلك بنصف قرن تقريبا, ومن أشهر مؤلفاته مقدمة ابن خلدون, (المقدمة) سميت بذلك باعتباره مقدمة لكتابه الأهم (العبر), هذا الكتاب الذي يعتبر المرجع الأهم في علم الاجتماع حتى تاريخنا المعاصر.

لقد تحدث ابن خلدون بإسهاب عن المنطق بأنواعه (الكشفي) المتعلق بالأمور الإلهية والروحانية, والعقلانية (العلوم التجريبية) والمنطق الحسي (الأمور الاجتماعية والسياسية), التي تناول بها مفهوم الدولة والعلاقة بين البداوة والحضر, وكذلك الطبقات الاجتماعية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم. وقد ربط ذلك جميعا بمفهوم العصبية التي استخدمها بمعانٍ عدة, ويمكننا تلخيص أنواع العصبية عند ابن خلدون حسب أهميتها, وعلى رأسها (عصبية الدم) أي القربى, ومن ثم العصبية العرقية فالدينية والجغرافية,التي كانت جميعها لاحقا مدخلا لمفهوم الانتماء للدولة, ونظرية العقد الاجتماعي, وصراع التابع والمتبوع (الطبقات), وبهذا يتم التعاون بين الناس في إنتاج الحضارة.

لقد استطاع المفكرون والفلاسفة الأوروبيون الوصول الى مرحلة الديمقراطية, بعد صراع مرير وثورات ضد السلطة الدينية (الكنيسة), ومن ثم الثورة على السلطة المدنية, فكانت الثورة الصناعية مقدمة لثورة الديمقراطية التي تمكنت من تطويع وتهذيب كافة مفاهيم العصبية الاجتماعية, عبر تنظيمها وتقنينها الى مبادئ وقيم اجتماعية, وهيكلتها في بوتقة وعصبية واحدة جديدة, تسمى دولة المؤسسات (دولة القانون) يعبر فيها الجميع عن انتماءاتهم, من خلال مؤسسات تنشأ لهذه الغاية مثل: الأحزاب،النقابات،الجمعيات,النوادي وغيرها, وأفرغت كافة مفاهيم العصبية بمفهوم واحد هو (الانتماء للوطن), أساسه عصبية (المواطنة), القائمة على المساواة بين الحقوق والواجبات. فبعد صراع طويل استمرت حتى الحرب العالمية الثانية, استقر بعدها مفهوم الدولة في المجتمع الدولي, وطغى مفهوم المواطنة على المفاهيم الأخرى, التي كانت سائدة سابقاً, فلا يحق لاحد الاستقواء على الدولة, مهما كان انتماؤه الفكري, فالدولة الوطنية هي التي تستطيع أن تجمع ما بين إنتاج الحضارة وإشاعة العدل الاجتماعي, وأن توائم ما بين المصالح العامة للدولة والمصالح الخاصة للأفراد في نفس الوقت.

إننا في الأردن وعلى الرغم من استقرار تنظيم الدولة لدينا منذ فترة طويلة،مازلنا نعيش حالة من الانفصام بالشخصية و الهوية الوطنية في الربط ما بين مفهوم الانتماء والولاء, والاولوية للمعتقد الديني أو العرقي والولاء للدولة. ما نشهده في وطننا الحبيب من تصادم بين فئات وافراد المجتمع على المستوى العشائري أو الشخصي دليل على ذلك, فما زال الواعز (القبلي) او العرقي أوالجغرافي يسيطر على الأذهان, إما لإثبات الوجود او كوسيلة لتحصيل الحقوق. وبالنهاية أقول ونحن ندخل في القرن الثاني من عمر الدولة الأردنية, ما زلنا بحاجة الى إعادة النظر في مفاهيم الانتماء لدينا, وتعظيم دولة القانون القائمة على المواطنة على مفاهيم العصبية الأخرى كافة.