على وشك أن يحمل أمتعته ويغادر العام ألفان وعشرون بكلّ ما حملت حقائبه للعالم من مفاجآت حرمت الناس من الاستمتاع بحياتهم خِشيةً وترقبا واستنفارا حين أفلحت كورونا بضبط إيقاعها على وتيرة الحياة اليومية في كل ركن من العالم منذ بداية هذا العام إلى هذا الحين الذي يؤمل أن تدق أجراس العام الجديد على وقعٍ مختلف وتعود عقارب الحياة تسير باتجاهها الصحيح وتصبح كورونا حدثًا ماضيًا يفتح قريحة الكتّاب ليؤلّفوا فيها كتبًا ومُجلّدات.
في الأردن، أصابنا من أصاب غيرنا وراح العام ذكرى وإن كانت في بعض جوانبها مؤلمة بالنظر إلى التداعيات والآثار والنتائج بمختلف جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكنه كان عاما أثبت فيه الأردن بقيادة جلالة الملك أن التحديات لا توقف عجلة دوران الحياة فيه بل إنها تشحن معنويات الأردنيين ويتقدمهم قائدهم لإثبات أنّ بلدنا الصغير في مساحته والمحدود في إمكانياته وموارده قادر على إضافة صفحات مشرقة في مسيرته على الرغم من الأزمات التي تطل برأسها عليه دون سابق إنذار، كفيروس كورونا مثلًا.
جهد ملكي حثيث ومتصل لم ينقطع قام به الملك عبد الله الثاني منذ أُعلنت فيه قرارات الدفاع وأهمها حظر التجول الشامل الذي دام للمرة الأولى قرابة ثلاثة أشهر وما زال إلى الآن باختلافات نوعا ما، وبالعودة إلى آذار وما بعده رأينا كيف كان المشهد واضحا وأردنيا بامتياز، وجلالة الملك في طليعة الصفوف يتفقد أحوال المواطنين ويصل إليهم في منازلهم ومواقع أعمالهم ويهاتف المريض ويقدم واجب العزاء لذوي المتوفين، ويتفقد مؤونة الناس وصوامع القمح والمستشفيات ومؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية وأفرادها الذين يحفظون أمن الوطن في أرجائه كافة، ثم يتبعها ويتخللها اجتماعات مع الحكومة ومركز إدارة الأزمات للاطلاع عن كثب على مجريات تطورات الفيروس المشؤوم.
صحة المواطنين وتأمين مستلزماتهم واحتياجاتهم اليومية، كانت الشغل الشاغل للقائد الذي لم يقبل تحت أي ظرف كان أن يمسّ هذه الخطوط الحُمر أي عائق يحول دون حصول المواطن عليها كاملة غير منقوصة، مع اعتبار توجيهات جلالته على المواءمة بين تحريك عجلة الاقتصاد وبين صحة المواطنين، ثم يخطب الملك ويتحدث إلى أبناء شعبه، فتصلهم منه رسائل الطمأنينة بأن الأردن قادر على طي ملف الفيروس واستئناف حياته، وهكذا يلتزم المواطن بإجراءات الصحة والسلامة العامة ويأبى إلا أن يكون على قدر طموح الملك وعند حسن ظنه.
عالميا، ظلّ جلالة الملك على اتصال دائم مع قادة الدول، وكان أول من نادى بضبط العولمة لخدمة الإنسان في كل مكان من العالم الفسيح، وها هو ما انفك يقدم مسألة الأمن الغذائي على ما سواها وما ترك جلالته خطابا ولا رسالة إلا واحتلت أزمة الغذاء العالمية حيزا واسعا من تفكير جلالته الذي رسم للعالم ملامح وخطط مواجهة الأزمة بتأمين غذاء الإنسان أولا وقبل كل شيء.
هكذا كان الأردن وهكذا سيبقى مستذكرين معا قول جلالته في خطابه بافتتاح الدورة العادية لمجلس الأمة التاسع عشر بأن من يعرف تاريخ هذا البلد لا يملك إلا أن يعجب بصموده وقدرته على تحقيق الإنجازات من رحم التحديات.