كتاب

‏‏قرأت كتاباً ظننته ممنوعاً..!

ألا يوحي هذا العنوان بأن في الكتاب ما يوجب منعه؟ مع أن العكس هو الصحيح اي أن فحواه لا تستحق المنع وكان من الحكمة فعلاً أن تباح قراءته.. ثم لماذا المنع اصلاً؟ الا يكفي اننا عشنا فترة ‏طويلة من الزمن كابدنا فيها أنواعا مختلفة من الرقابة الكريهة على المطبوعات فمن ناحيتي عرفتُ عناء التهرب منها منذ كنت طالباً في الجامعة ونحن نطبع مجلة رابطة الطلبة الأردنيين في مصر حيث كنا نذهب إلى المطبعة عند الفجر بعد أن يكون الرقيب (العسكري يومها) قد أُنهك بعمل ليل طويل من التدقيق في كل كلمة وسطر كي يعثر على ما يبرر إلغاء مقالات كاملة أو ترك مساحات فارغة فيها دون أدنى اهتمام بما يخلفه ذلك من آثار سيئة على الكاتب والصحيفة والقارئ و على سمعة بلده ايضاً إذ يعطي الفرصة لأعدائها السياسيين كي يتهموها بأنها تفتقر للديمقراطية وحرية الرأي أما الرقيب نفسه فلا يهمه إلا تنفيذ الأوامر وإشباع رغبة التسلط لديه باستعمال مقصه!

عندنا في الأردن اختلف الأمر منذ سنوات فقط إذ عُدِّل القانون وتحولت الرقابة على الكتاب تحديداً إلى ما بعد النشر وهي خطوة إلى الأمام تتيح للكاتب المدرك للحدود المتاحة أن ينجو بمؤلَّفه اللهم إلا إذا تنطح أحد ‏(أو دُفع ‏للتنطح) معترضاً على أي من مواده فعندئذ يبدأ مسلسل القمع ومماحكات التقاضي في المحاكم..

نعود للكتاب الذي أشرت إليه في العنوان فقد ‏دهشت حقاً كيف مر حتى الآن على المتربصين به الجاهزين لاتهامه بالطعن في الرواية الرسمية للتاريخ السياسي أو تشويه صورة المجتمع الأردني أو تعكير صفو العلاقة بين مكوناته، لكنه بالمقابل شكّل لي مفاجأةً تبشر بأن تغيّراً إيجابياً قد بدأ بقبول الرأي الآخر والنقد الموضوعي ورؤية الحقائق كما يراها الكاتب لاسيما وهو يستقيها من مراجع رصينة متاحة في مكتباتنا لا في الأجنبية فحسب حيث شبهة العمالة تحوم فوق الرؤوس فضلاً عن انه يثبّتها على الهوامش بدقة وأمانة، ما يعني سقفاً أعلى لحرية التعبير عند الكُتّاب ودليلاً على ثقة أكبر بالنفس لدى المسؤول واحتراماً مستحقاً لعقل القارئ الأردني طالما‏ افتقده وناضل من أجله.

ألا لا يتوهمنّ أحد أن هذا الحديث الموجز عن الرقابة وهي جزء لا يتجزأ من الاعتداء على مبادئ حقوق الإنسان، هو ابتعاد متعمد عن موضوع العنوان فذلك ما لا أقصده إذ أن هذا الكتاب يتضمن معلوماتٍ وآراء عن تاريخ الأردن وتأسيسه جديرة باطلاع المواطنين عليها رغم أنها ما زالت موضع جدل كما يحتوي على مواقف سياسية واجتماعية يمكن الحكم عليها من منظور الحاضر لا الماضي ومن ثم الاستنتاج بانها كانت وطنية مخلصة ام نابعة من مصالح ذاتية أو فئوية او جهوية!

‏وبعد.. فإن الرقابة على الفكر من الناحية العملية وإن اختلفت من عصر لعصر، تظل الديمقراطية الحكَمَ الضابط للنزاهة في تطبيقها..