تسعى كثير من دول العالم الى تطوير تشريعاتها الناظمة لعمل الإدرات المحلية, للوصول الى إدارات في افاليمها قادرة على الإعتماد على الذات وتوفير الموارد لتلبية الإحتياجات المحلية النوعية دون أي تدخل من الإدارة المركزية. وعلى الرغم من إختلاف أنظمة الإدارة المحلية, إلا أن هناك تقاربا كبيرا في نوعية وطبيعة الإدارات المحلية العالمية، بسبب التشابه الكبير في الحاجات المحلية للمواطنين على المستوى المحلي. ويمكننا القول أن اهم نظامين عالميين كبيرين للإدارة المحلية، هما النظام الفرنسي والنظام البريطاني, اللذان استطاعا من المؤائمة ما بين الأهداف الإقتصادية والإجتماعية و الأهداف الإدارية, فكلا النظامين تمكنا من توفير مناخ الإعتماد على الذات . أما على المستوى المحلي، فلقد سعى الأردن منذ عام 1993 وبسبب الترهل الإداري والعجز المالي وعدم قدرة المجالس المحلية على الإعتماد على ذاتها, إلى تعديل القوانين والأنظمة التي تنظم عمل الإدارات المحلية, بهدف توفير سبل الإستقلال المالي والإداري للإدارات المحلية, بعيدا عن السلطة المركزية. فلقد قامت بدمج الكثير من البلديات مع بعضها البعض بما يسمى (البلديات الكبرى), لينخفض العدد بأكثر من الثلثين, وفي عام 2015 صدر قانون جديد يسمى قانون اللامركزية,جعل لكل محافظة مجلسا منتخبا يتمتع بالإستقلال المالي والإداري, ويتولى العديد من المهام الأخرى, من أهمها: إعداد وإقرار المشروعات والخطط الإستراتيجية والتنفيذية المتعلقة بالمحافظات, إلا أن هذه التعديلات لم تسعف مجالس اللامركزية أوالبلديات من تنفيذ برامجها وخططها, وعدم قدرتها على الإستدامة في تقديم حتى الخدمات التقليدية والبطء الشديد في مسار التنمية المحلية, لكونها أصلا كانت ومازالت تعاني من عجز مالي مزمن, بسبب ضعف التحصيل المالي عن الخدمات التي تقدمها, ولجوئها لسد احتياجاتها الى القروض, سواء من بنك تنمية المدن والقرى اوالبنوك التجارية لدفع نفقاتها التشغيلية, او التعويضات عن قرارات الإستملاك والتنظيم,وغيرها من الإلتزامات المالية المترتبة عليها، ناهيك عن التذمرالمستمر للإدارات اللامركزية من ضعف الموازنات المالية المخصصة لها, التي لا تمكنها من القيام بمهامها. وهناك الكثير من الأسباب الأخرى لا يتسع المجال للحديث عنها, ولكن يمكننا القول ان هناك أبعادا إجتماعية واقتصادية تلعب دورا في عدم قدرة البلديات او مجالس المحافظات على المضي قدما في التطور والإنجاز, على رأسها سوء توزيع مكتسبات التنمية على مستوى الدولة, وأقصد بذلك التوزيع غير العادل للثروات الطبيعية للدولة, والتركيز على إقليم المركز (العاصمة)وعدم إنتفاع الأقاليم اللامركزية من أغلب العائدات المالية للثروات الطبيعية تستخرج منها اصلاً . ومن جهة أخرى إستئثار العاصمة بأغلب المشاريع التنموية المستحدثة, وهذا واقع نعيشه الآن في الأردن, فأغنى المحافظات في الثروات الطبيعية أفقرها تنمويا, وهذا اسهم في الزيادة المضطردة في إرتفاع نسبة الهجرة الداخلية من الأطراف الى العاصمة, وبالتالي التدني الشديد في نسبة النمو الإقتصادي لديها, وارتفاع نسبة البطالة والفقر. وبالنهاية يمكننا القول أن المطلوب من الحكومة إعادة النظر في الخطط الإستراتيجية التنموية, لضمان توزيع عادل لمكتسبات التنمية, فذلك بلا شك مفتاح لحل الكثير من المشاكل التي نعانيها ليس على مستوى الإدارات المحلية بل على مستوى الدولة ككل.

* مستشار وأستاذ القانون الدولي العام