كتاب

هل الاعتزاز الوطني مجرد شعار؟

مازال بعض الناس يظنون ان الاعتزاز الوطني شعار رومانسي عابر وما عرفوا أنه شعور تلقائي يغمرنا في مواقف سياسية معينة، وربما من النبل أيضاً أن نحس به وهو يهز وجدان الآخرين في قضاياهم الوطنية.. فقبل أيام كنت استمع للرئيس التركي رجب طيب اردوغان وهو يرفض تهديد اميركا لبلده بعقوبات اقتصادية إذا لم تلغِ صفقة الصواريخ الروسية، ولا أنكر أن حالةً من التعاطف اجتاحتني.. صحيح أنني أختلف مع تركيا ورئيسها ونظامه الحالي في العديد من القضايا لكني في موقف وطني شجاع كهذا لا أملك من حيث المبدأ كإنسان وكعربي ملدوغ في تاريخه المعاصر من نفس الجحر المُذل مراتٍ كثيرة إلا أن أنحني احتراماً لمن يتحدى أكبر إمبراطورية متسلطة عرفها التاريخ وينتابني في نفس الوقت شعور بالانكسار حيال مواقف عربية رسمية خانعة شهدتْها أجيالنا المتعاقبة في مواجهة تهديدات مشابهة.

قد يقال وما الجديد في هذا؟ إن منطق القوة يعني بداهةً أن ترضى الحكومات الضعيفة بتنازلات هنا وهناك فأُكمل: لكي تضمن بقاءها في كراسيها ولو على حساب كرامة الأمة، وقد تداري خجلها بتفسير الأمر لشعوبها على أنه نوع من الحنكة السياسية يجنب البلاد ضرراً أكبر، فهل هذا التسويغ صحيح ونحن نجد في المقابل وفي التاريخ غير البعيد أمثلة مشرّفة سُطرتْ بأحرف من نور استطاعت فيها دولة صغيرة مثل كوبا أن تصمد لحصار طويل خانق فرضته عليها دولة كبيرة، أو أخرى كفيتنام صدت عدواناً جهنمياً لسنوات طويلة وانتصرت في النهاية بعد أن تحملت تضحيات هائلة واحتفظت بكرامتها ومنعت تراجعاتٍ كان من الممكن أن تصل بها إلى التبعية الكاملة لو رضخت في البداية وقبلت بالشروط المذلة..

ولعلنا نذكر جيدا كيف أدى تشكيل كتلة عدم الانحياز في اواسط القرن الماضي الى تصاعد التمرد على الدول الاستعمارية وخروج الشعوب المقهورة على طاعتها فرأينا أنماطًا باهرة من مواقف الاعتزاز الوطني المتمثلة بالقرارات المستقلة في دول كالهند ويوغسلافيا ومصر وسواها، فقد فاجأ الملك حسين العالم كله بطرد الجنرال غلوب رمز الهيمنة البريطانية على الأردن وسط ترحيب عارم من شعبه ورغم دهشة المسؤولين المرتعدين والمنافقين الكاتمين غيظهم !وشهدنا بأنفسنا تاريخاً لا يُنسى حين أمم جمال عبد الناصر شركة قناة السويس فغضبت بكل وقاحة دول استعمارية كانت في الاصل قد حصلت على أسهمها بالخداع والابتزاز، وجاء وفد منها إلى مصر وقابل عبد الناصر متوهماً أنه قادر على فرض شروطه بالتهديد والوعيد وما أن انتهى رئيسه مندوب استراليا من كلمته حتى انتصب الزعيم المصري واقفاً وأعلن انتهاء الاجتماع فابتلع الوفد كبرياءه الجوفاء وانصرف يجر اذيال الفشل!

وبعد.. فإن الاعتزاز الوطني الحقيقي هو نواة الاعتزاز الانساني العالمي الأكبر بدءاً بموقف الصمود الفلسطيني ومقاومة السكان الأصليين في أميركا وكندا وصولاً إلى جهود علمية عاقلة لإنقاذ الكرة الأرضية من كوارث التغيير المناخي..