كتاب

كيف نحاصر الفساد؟

ثمة خلط واضح وتعميم غير منطقي، يُظهر مؤسساتنا وكأنها مليئة بالفساد، لكن أياً منا لم يتعرض للوسائل والكيفية التي من شانها محاربة الفساد كممارسة ووأدها في مهدها، بحيث لا تدع مجالا لأي كان باستغلال المال العام واستثمار السلطة الممنوحة.

في سياق الحديث عن تقرير دائرة مكافحة الفساد، يبدو التعميم وتوسيع دائرة الحديث عن الفساد، وسيلة للنجاة، وهذا حُكم مُسبق وتعمية للحقائق التي نسعى جميعاً للتبين منها، ونحن كما نطلق الأحكام أيضاً نضعف السلطات المعنية بالمحاسبة ونعمق ترددها من خلال نقدها وترهيبها، فالكل مسؤول عن محاربة الفساد وفي مقدمتهم المواطن، الذي يتوجب عليه دعم مؤسسات المكافحة، ليس أولها دائرة مكافحة الفساد، وليس آخرها السلطتين القضائية والتشريعية من خلال دعمها وتقويتها شعبياً وسياسياً.

الفساد الإداري والمالي حسب التقارير السنوية الصادرة عن دوائر رسمية، يمكن معالجته، ويتم ذلك بالفعل، ولا سكوت عنه، وهناك أموال يتم استعادتها، كما أن المؤسسات العامة والخاصة التي تتولاها قيادات كفؤة ونزيهة، يمكنها فتح ملفات الفساد القديمة وإسترداد الاموال المنهوبة، خصوصاً في ظل معاناتها مالياً، فالأهم استرداد تلك الأموال، ولنترك الامر بعد ذلك للمجتمع ليحاسب الفاسدين، وعقوبة المجتمع أقسى بكثير من أي عقوبة أخرى.

المطالبة بإغلاق المؤسسات المعنية بمحاربة الفساد، أمر مؤسف، فكأنك تمنع أي جهة من كشف المستور ونشره عبر المنابر الرسمية، الأجدى أن نطالب بدعم هذه المؤسسات ومنحها صلاحيات اوسع وسلطة رقابة مسبقة وليس لاحقة، تكشف الفساد قبل وقوعه، ومنحها صفة قانونية محاسبية، ترتبط بأعلى المرجعيات في الدولة، فلماذا لا يكون لدينا وزارة أو وزير يتخصص بالنزاهة والشفافية ومحاربة الفساد مستقبلاً.

الاجراء الاول بعد صدور التقرير السنوي لدائرة مكافحة الفساد، يكون بتفعيل مبدأ الحساب العقاب، لمساءلة الموظف الفاسد، ومكافأة الموظف النزيه والجيد، أيضاً المواطن مسؤول عن اختياره لممثليه في البرلمان، ومراقبة أداء النائب ومحاسبته من خلال صندوق الاقتراع، وهذه ثقافة لم نصل اليها بعد رغم تجربتنا الديمقراطية الطويلة.

الانعكاسات السلبية للفساد وتعميمه في أي مجتمع أمر خطير ومن الصعب تداركه، إذا استفحل، فالفساد في الاردن لا يصل الى درجة كونه «ثقافة» بل هو ممارسات هنا وهناك يمكن معالجتها ومحاصرتها، خصوصاً وان الامر اصبح يتعلق باستقرار المجتمع والثقة بين المواطن والسلطات الرسمية، وهو داء يصيب المجتمعات التي لا تتداركه، ويصبح وصمة عار في جبينها أمام الامم الاخرى، فلا التنمية تسلم منه ولا الاستثمار يطمأن لبلد يستشري فيه الفساد، من هنا مطلوب دعم ومؤازرة المؤسسات التي تكافح الفساد، والمساعدة في كشف مواطنه وأوكاره، دون تقصد أو تجنٍ، وتغليب سيادة القانون ومعالجة الثغرات التي ينفذ من خلالها الفاسدون لإرتكاب مخالفاتهم.

Imad.mansour70@gmail.com