عمان - نسرين الكرد

ووليد سليمان

اثار الإكتشاف الاثري المتوقع وسط عمان ردود فعل تبحث في مصير المنطقة، وآليات التعامل مع الموقع، لحساسية أي تصرف، في وقت لم يخرج أي قرار من اللجنة المشكلة لهذا الغاية.

يقول نقيب الجيولوجيين صخر النسور ان غياب التخطيط الحضري والشمولي لمدينة عمان أدى الى عدم توقع أمانة عمان وجود اثار في منطقة تنفيذ العبارة الصندوقية وسط البلد.

وانتقد النسور الامانة لعدم تنفيذها تخطيطا مسبقا قبل البدء بأي حفريات لأنه من المفترض بها أن تأخذ بالاعتبار احتمالية وجود اثار قبل البدء بمشروع العبارة الصندوقية خصوصا وان المنطقة معروفة بأنها أثرية، فهي امتداد لسبيل الحوريات والمدرج الروماني وجبل القلعة.

وبين أن الاكتشاف المفاجئ لهذه الاثار يؤكد عدم وجود تنسيق مسبق بين الامانة ودائرة الاثار عند رغبة الاولى بالقيام بأي مشروع يتضمن حفريات خصوصا في مناطق أثرية.

وقال كان يفترض على الامانة أن تقوم بتخطيط حضري وتخطيط شمولي لمدينة عمان قبل تنفيذ اي مشروع ترغب به لتطوير المدينة، وليس فقط لتنفيذ العبارات الصندوقية لضمان نتائج ايجابية لمشاريعها.

وأشار الى ان دائرة الاثار امام قرار صعب بالمرحلة الحالية اما بالابقاء على هذه الاثار ونقل مسار العبارة الصندوقية أو نقلها وهدم البقايا الاثرية لاستكمال أعمال العبارة الصندوقية وبالتالي سنفقد قيمة تاريخية وسياحية كبيرة للعاصمة.

وبين النسور ان العبارات الموجودة تم تصميمها في ستينيات من القرن الماضي لغايات استيعابية معينة تضاعفت على مدى السنوات الماضية ما يستدعي ايجاد حلول لمعالجة موضوع الفيضانات المتكررة بمخطط شمولي يتضمن دراسة هيدرولوجية لكميات الامطار التي تذهب جريانا سطحيا ومن ثم تصميم العبارات او توسيعها.

وارجع اسباب زيادة كميات المياه الواردة للعبارات الى ان منطقة عمان الغربية كانت سابقا اراضي زراعية، وجزء كبير من المياه المتساقطة تمتصه الارض ويذهب الى المياه الجوفية، اما الآن فان معظم الاراضي عبارة عن اسمنت ومبان، وبالتالي فان المياه المطرية أغلبها تذهب جريانا سطحيا، ونحو منطقة وسط البلد ما يؤدي الى زيادة كميات المياه الواردة للعبارة الموجودة هناك.

من ناحيته، اكد الناطق الاعلامي لأمانة عمان ناصر الرحامنة انه قبل البدء بمشروع العبارة الصندوقية تم اجراء كافة الدراسات الفنية والهندسية اللازمة لبناء عبارة صندوقية لتصريف مياه الامطار.

وأشار الى أن مصير الاثار المكتشفة في منطقة وسط البلد ستقرره دائرة الاثار العامة، لافتا الى وجود تعاون وتنسيق وثيق بين الطرفين.

وبين أن الامانة باشرت باستكمال عملها في العبارة الصندوقية بموقع اخر الى حين انتهاء دائرة الاثار من عملها بالموقع المكتشف وبانتظار القرار النهائي لها.

يذكر ان مشروع العبارة الصندوقية هو أحد المشاريع التي بدأت امانة عمان بتنفيذها لحل مشكلة تصريف مياه الامطار في العاصمة ومنها منطقة وسط البلد ولضمان عدم تكرار الفيضانات التي حصلت في سنوات سابقة.

ومنذ ثلاثة شهور بدأت الأمانة بإغلاق مسربٍ من شارع الهاشمي المقابل للمدرج الروماني وبدأت بأعمال الحفر لبناء «عبَّارة مياه طويلة تحت الشارع وبعدة مسارب» عبارة عن نفق إسمنتي ضخم لمياه السيل والامطار القادمة من شوارع وسط البلد في فصل الشتاء لحماية المحلات التجارية والمدرج الروماني من الغرق.

أما المرحلة الثانية من المشروع فقد بدأت منذ شهر, بغلق جزء آخر من شارع الهاشمي أمام السيارات–في المنطقة من بداية إشارات سوق الخضار القديم الذي يقع بالقرب من سبيل الحوريات الى منطقة المبنى القديم لمكتبة أمانة العاصمة.

وكانت المفاجأة أثناء الحفر بعمق قرب مكتبة الأمانة ان باطن الشارع يحتوي على آثار قديمة ترجع الى العصر الروماني، ما استدعى تشكيل فريق عمل فني من الخبراء من دائرة الاثار, لمتابعة أعمال الحفر وتوثيق الآثار التي يتم العثور عليها لإنقاذها.

ومن تلك الآثار التي تم العثور عليها: تمثالان حجريان ضخمان, وقِطع من أعمدة حجرية اسطوانية, وأقبية للحرق وتسخين المياه لحمام روماني, وبقايا أرضيات مبلطة.

وهناك اعتقاد انَّ هذا المكان كان الفرن الخاص لتسخين المياه التي تذهب في قناة تحت الارض الى مكان آخر قريب وهو المبنى الضخم «سبيل الحوريات» الذي يقع بجانب سيل عمان في جزء من شارع قريش أو سقف السيل الآن».

وعن احتمالات التعامل مع هذه الآثار الرومانية المكتشفة فقد أشار المهتمون بهذا المشروع الى أنهم قد يحافظون عليها كما هي في مكانها، ولكن سوف تبرز مشكلة إلغاء هذا الجزء من الشارع ما يسبب مشكلة لحركة سير ولأصحاب المحلات التجارية على جانبي الشارع!!.

والاحتمال الآخر هو توثيق هذا المكان الأثري بالمعلومات والصور ثم غلق المكان ليعود الشارع كما كان.. وربما هناك احتمالات أخرى قيد الدراسة والتشاور بين الجهات المعنية.

وفي جولة ميدانية ل $ ما تزال عمليات الحفر وتركيب الأنابيب الإسمنتية الضخمة جارية في تلك المنطقة من شارع الهاشمي–بعيداً بمسافة امتار عن مكان موقع الآثار المكتشفة حتى تصل الى منطقة الساحة الخارجية للمسجد الحسيني.

ورغم ان الاكتشاف الأثري جاء بالصدفة، لكن ليس بغريب للمتخصصين بعلوم الآثار وتاريخ عمان؛ لأن عمان قبل آلاف السنين سكنها أقوام وحضارات متعددة وبالذات وسط البلد بقاع المدينة.

الشوارع الرومانية

في كتاب للباحثيْن د.محمد وهيب وزهير الزعبي بعنوان «اكتشاف سبيل الحوريات في عمان فيلادلفيا» قدّما شرحا حول شوارع عمان الرومانية القديمة.

كما جاء في الكتاب «لقد أولى المهندسون المعماريون الرومان تخطيط مدينة عمان أهمية بما يتلاءم مع الطبيعة الجغرافية للمنطقة, من حيث الانحدارات التي تحف بها من الجانبين.

ويمكن القول ان طبيعة التخطيط وهيكل المدينة الداخلي بما في ذلك الشوارع ما هي إلا خلاصة نمط شرقي بإيحاءات غربية الطابع, وجاء ذلك منسجماً مع الظروف المحيطة بالمدينة ومتوافقاً مع البيئة الطبيعية.

وكان من عادة الرومان عند بناء المدن ان ينشئوا شارعين متعامدين وسط المدينة, وكذلك الأمر في عمان؛ فقد كان الشارع الأول يسمونه «الديكمانوس» ويتجه من البوابة الشرقية موازياً لسيل عمان, ويتجه نحو الجنوب الغربي بالقرب من المسجد الحسيني, وكان الجانب الشرقي من هذا الشارع يُعتبرأفضل تماسكاً وثباتاً خلال العصر الروماني بالمقارنة مع الأجزاء الغربية منه.

وقد دلت نتائج أعمال حفر وتنقيبات قديمة على وجود بقايا لهذا الشارع على أعماق تتراوح بين مترين ومترين ونصف, وان عرض الشارع كان عشرة أمتار, وأنه كان محاطاً من طرفيه بأعمدة كورنيثية مختلفة القياسات.

وفيما يتعلق بالبلاط المستخدم في رصف أرضيات شارع الديكمانوس فقد كانت جيرية صلبة مشذبة بشكل متقن ذات لون أبيض.

ويستمر هذا الشارع في اتجاهه نحو الأجزاء الجنوبية من عمان الى ما بعد منطقة المسجد الحسيني.

أمَّا الشارع المتعامد الثاني في مدينة عمان فكان يُطلق عليه اسم «الكاردو» وكان يتجه يميناً صعوداً الى الجهة الغربية أو غرب قلعة عمان, وكان هذا الشارع نقطة بدايته مقابل المسجد الحسيني, ثم يتجه غرباً نحو منطقة بناية المركزي الاردني في شارع الملك الحسين, وكان هذا الشارع أقل طولاً من شارع الديكمانوس.

وتعتبر مدينة عمان كلها آثاراً، جبالها وشوارعها وتلالها وسفوحها ووديانها.. منها المكتشفة ومنها غير المكتشفة.. ومنها المهمة ومنها ربما غير المهمة.. لذا على المسؤولين عن أعمال الحفريات والإنشاءات ان يستشيروا المتخصصين بهذه الأمور لأن الحلول عندهم فقط.