زاد سوء الأوضاع الاقتصادية في السنوات الأخيرة، إضافة الى أزمة الوباء من سرعة تمدد الفقر على حساب الطبقات الوسطى، ليشمل خط الفقر أكثر من مليون أردني قبل الجائحة، ومع ازدياد الفقراء سقطت تبريرات الفقر الكلاسيكية، ككثرة الانجاب، أو الخمول واتخاذ القرارات الخاطئة، فالعديد من الفقراء الجدد متعلمون وأذكياء، ومنهم من كان يطمح للارتقاء في السلم الوظيفي قبل أن يخسر عمله نتيجة الانكماش الاقتصادي.
سيجرب الفقراء الجدد كلفة الفقر المرتفعة، فمتدنو الدخل ينفقون أكثر من الميسورين على كل شيء تقريبًا، فهم لا يستطيعون شراء بيت من دون الاقتراض الذي يرتب تكلفة فائدة إضافية على سعر المنزل الحقيقي الذي يتحمله من يملك المال، وتزداد قيمة الفائدة كلما كان الوضع المالي لصاحب معاملة القرض أصعب أو إذا تخلف عن سداد الاستحقاقات مؤقتًا، مما يجعل الفقر دائرة مغلقة تزداد ضيقًا دورة بعد دورة.
وكذلك الحال بالنسبة لشراء السيارة مثلاً، فقد يجبرك الفقر على اتخاذ القرارات ذات التكلفة الأعلى استراتيجيًا، كشراء سيارة قديمة تتطلب صيانة دائمة – مكلفة على المدى البعيد- لتدني سعر شرائها، أو التراجع عن شراء سيارة كهربائية لارتفاع ثمنها، كما قد تضطر لاحتمال تكلفة عدم امتلاك وسيلة للنقل والاعتماد على سيارات الأجرة والنقل العام، لأنها معقولة التكلفة على المدى القصير، مع العلم أن تكلفتها التراكمية تزيد على تكلفة امتلاك وسيلة النقل.
وتزداد القصة سوداوية إذا فكرت في تكلفة الرعاية الصحية للفقراء، فأفراد الطبقة الوسطى عمومًا- من موظفي القطاع العام والقطاع الخاص المنظم- يمتلكون تأمينا صحيا، واجازات مرضية مدفوعة الاجر، لكن موظفي المطاعم مثلا يضطرون لدفع فاتورة العلاج كاملة إضافة لخسارة أجرة الأيام التي يقعدهم المرض فيها عن العمل.
وزيادة على كل ما سبق فالفقراء يدفعون حصة ضريبية أكبر من مجموع دخولهم بالنسبة لما يدفعه الأغنياء، نتيجة اعتماد الحكومة للضرائب المباشرة والثابتة كضريبة المبيعات أو الرسوم على المحروقات، فالجميع يشترون المواد الغذائية بنفس الكلف والكميات تقريبِا، ولنقل إن حصتها من الموازنة الشهرية تساوي ١٠٠ دينار مما يعني أن العبء الضريبي هو ١٦ دينارا وهذا نسبته ٦،٥ ٪ من معدل دخل يساوي ٢٥٠ دينارا و٢،٢ ٪ من معدل دخل يساوي ٧٥٠ دينارا.
فخ الفقر الذي يبتلع الواقعين فيه يحتاج تدخلاً حكوميا للسيطرة عليه، فلابد من تنظيم الحد الأدنى للأجور بما يتناسب مع تكاليف متطلبات الحياة الكريمة، والتوسع في مظلة التأمين الصحي الحكومي لتشمل جميع الأردنيين مع العمل على رفع قدرات القطاع الطبي الاستيعابية للتماشي مع ذلك، كذلك تحتاج مخرجات التعليم الحكومي للمراجعة للتناسب مع المهارات اللازمة لسوق العمل، وإعادة النظر في هياكل الضرائب الثابتة والتوجه نحو فرض ضريبة أكثر كفاءة على الدخل، ذات تقسيم للشرائح يخفف الأعباء عن الفقراء والطبقات الوسطى.
الفقر هو نتيجة تشوهات في المنظومات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، لا يتحمل وزره الفقير فقط، بل نحن جميعا، لذلك فمساعدة المحتاجين واجب وفرض عين، لا منّةً واحسانًا.