في غمرة الازمات التي تعصف بدول عديدة على هذا الكوكب, المثقل بالخلافات والصراعات على النفوذ والهيمنة والادوار، حيث تسعى دول عديدة.. كبيرها والصغير, الى انتهاج اساليب مُختلفة من القوة، بعضها ناعم عبر الثقافة والاعلام والدبلوماسية وجلّها خشن عبر الحروب والغزوات وتدبير الانقلابات والتدخل السافر في الشؤون الداخلية. في أتون ذلك كله تفاقمت في الآونة الأخيرة خلافات مُهدِّدة باحتمال حدوث قطيعة او توترات غير محسوبة العواقب, بين دول مُتجاورة بعضها تجمعه عناصر عديدة من التاريخ واللغة والثقافة والعادات المشتركة, التي لم تتغيّر بفعل «الحدود» التي صنعها الاستعمار الغربي, وَجدتْ مَن يدافع عنها لاحقا بعد نيل الاستقلال وقيام «الدولة الوطنية», فضلا عما شاب تلك العلاقات من ارتفاع او انخفاض في «حرارة» علاقات, كان يُؤمل ان تفضي الى نوع من الوحدة او الاتحاد الحقيقي, بدل صِيغٍ مطاطة يسود الغموض سطورها, وتأتي التصريحات السياسية او قل ما تستبطنه تصريحات حمّالة أوجه, من خلافات لم يبقَ سوى هدير المدافع لكشف حجم وعمق خلافات لا تبدو جوهرية او حاسمة.
ما علينا..
ثمة توتر آخذ في التصاعد (ولكن ليس بخلفية عسكرية أو سياسية صِرفة وإنما ثقافية بمعنى من المعاني) بين ثلاث دول عربية مغاربية هي.. المغرب، الجزائر وتونس (دع عنك ما يجاورها من دول إفريقية, تُشاركها بعض العادات والتقاليد بحكم الجوار)، حول «مُلكية» طبق أو «الطبخة» الأكثر شهرة في بلاد المغرب العربي كافة وهو «الكسكس». أما سبب هذا التوتر المُفاجئ هو بدء منظمة اليونسكو تطبيق الدعوة التي اطلقتها عام «2003» والرامية إلى تعزيز «اساليب بناء العلاقات الدبلوماسية عبر الطعام».. الأمر الذي يبدو انه «أَنتجَ» ما يمكن وصفه بالحروب على «الطعام», وإن كانت بغير سلاح سوى سلاح وسائل التواصل الاجتماعي, التي ينتصر فيها جمهور دولة معينة لتراثه الثقافي, الذي يظن انه حكر عليه وان الآخرين الذين يشاركونه الثقافة نفسها (دع عنك الحدود السياسية المُصطَنعة) وهو أمر تكاد طبخة/طبق «الكسكس», تُصبح «ساحة» المعركة الكلامية المُحمولة على شد عصب وطني وشحن يكاد يصل مرتبة العنصرية..
الأمر ذاته مُستعِر الآن بين الصين وكوريا الجنوبية, حول طبق «الكيمتشي», للأسباب ذاتها الدائرة مَغاربياً حول «الكسكس». طمعاً أو رغبة كل من الصين وكوريا الجنوبية, في الفوز بشهادة «آيزو» حول ملكيتها لطبق الكميتشي. أمّا عن قذائف التصريحات والضرب تحت الحزام والإتهام بالسرقة والانتحال.. حدِّث ولا حرج.
في السطر الأخير.. وفي إطار ما يجري مغاربياً وفي شرق آسيا, علينا أن نتذكّر جيداً وعميقاً.. ما بدأته الموجة الاستعمارية العنصرية الصهيونية, منذ قيام كيان العدو الغاصب قبل سبعة عقود, من سرقة لكل رموز وأركان الثقافة الشعبية والتراثية الفلسطينية. سواء في الملابس والأزياء, أم العمران والآثار والتاريخ وخصوصاً في الطعام, بدءاً بالفلافل وليس انتهاء بالحمّص والمُخللات. ليس فقط لإضفاء الشرعية على الرواية الصهيونية المُزوَّرة والمؤسطرة, وإنما أيضاً ودائماً لترويج إسرائيل سياحياً وثقافياً ولطمس الرواية الفلسطينية.
kharroub@jpf.com.jo
«حروب الأطباق».. المغرب العربي والصين وكوريا الجنوبية
11:05 8-12-2020
آخر تعديل :
الثلاثاء