اشبع التعلم عن بعد نقاشا وبحثا، وكانت المحصلة ان درجة الاستفادة متواضعة جدا، وستفرز فجوة تعليمية اذا لم تعالج حال انتظام الدراسة في الصفوف.
كورونا نالت من التعليم، وافرزت صعوبات تربوية ونفسية لدى الطلبة وأولياء الامور، بشكل ستظهر نتائجه لاحقا، خاصة في الصفوف والمواد التأسيسية.
لا نلوم احدا في ذلك، لأن صدمة كورونا أكبر من التوقع، ليس محليا فقط، بل عالميا، وأي إجراء بالنسبة للتربية والتعليم سيكون محط انتقاد، فلو انتظم الطلبة وحصلت اصابات لن يرحم الوزارة أحد، والسيطرة على آلية التعليم عن بعد شبه مستحيلة لأسباب كثيرة، لعل أهمها البنية التحتية، التي لم تستطع استيعاب هذا الحجم من الاقبال، فشبكلة الانترنت بدت متواضعة، وأسعارها مرهقة امام تراجع دخول المواطنين، ولم تبذل شركات الاتصالات جهودا ورغبة للمساهمة الفاعلة في مساعدة المواطنين للتغلب على الصعوبات، بل أصبحت الطوابير امام شركات الاتصالات كطوابير الخبز في أزمة كورونا، وكان الأحرى بها التسهيل على المواطنين، وخفض الاسعار نظرا للعوائد المالية المنتظرة.
وفي بعد آخر، ظهر تواضع المستوى الادائي للمعلم والطالب معا في التعامل مع الحواسيب–إن توفرت–والأنظمة والبرامج المتعلقة بالتعليم عن بعد، وعدم استجابة المدارس والمعلمين في المدارس الخاصة بالتحديد للمشاكل الأنية، مثل عدم وضوح الصوت، والازاحة في الكاميرا، وتقطع النت وجودة المنتج التعليمي.
انعدام التفاعل والمشاركة والتنافس عبر التعليم عن بعد، أوجد احباطا لدى الطلبة، فأضعف الإقبال والمتابعة،التي هي في الاصل متواضعة جدا، كما تلاشى الهدف المعرفي لغاية التعليم عن بعد، فاتجه معلمون لتنفير الطلبة بالامتحانات المتتالية، والواجبات المرهقة، متناسين أن اوضاع الاسر غير ملائمة اجتماعيا ونفسيا واقتصاديا وخاصة أن فيروس كورونا ان لم يصبهم فهو قريب منهم.
كشف التعليم عن بعد للاهالي الفوارق في اداء المعلمين بين الضعيف والمتميز، كما كشف اسرار البيوت للمدرسين، خاصة عبر المنصات المباشرة، وفي الاصرار على ضرورة فتح الطالب للكاميرا، كما عكس اصوات الشوارع من باعة الغاز والخضار..الخ.
في النهاية، الحصيلة المعرفية والتعليمية والمهارات ستكون متواضعة بشكل عام لصفوف متتالية، الحالي والسابق واللاحق، ما يتطلب خطة علاجية عمادها المعلم، وأساسها مراجعة للاساسيات والمفاهيم في حينها، بحيث لا تشكل عبئا جديدا على الطلبة، وتراعي الحالة النفسية والتربوية التي عاشوها قرابة العام، محجورين في المنازل، بقلق وخوف بلا أي رفاهية او متعة اللعب مع الاقران، ودون تحميلهم عبء كورورنا وسوء التعلم عن بعد.
هذا الأمر ينطبق على طلبة المدارس الحكومية والخاصة، وطلبة الجامعات عانوا ايضا وبشكل أصعب في الكثير من الاحيان، من آلية التعلم والتواصل مع الجامعة والمدرسين والامتحانات والمختبرات، والقرارات والاجتهادات التي شابها الكثير من الاخطاء، ومنها ما يصعب تطبيقه لبعده عن المنطق.
جائحة كورونا كشفت الكثير من تواضعنا في البنية التحتية والتأهيل والتدريب للتعاطي مع متطلبات العصر، ولا بد من تحويل هذا الضعف الى فرصة لاعادة بناء الذات مجددا، والأهم معالجة فجوة التعليم والمعرفة والمهارة التي اوجدها التعليم عن بعد، كي لا نخسر الاساس الأول في بناء الانسان وهي المعرفة والتأهيل.