ذكرت بمقالتي السابقة إضاءة على أهمية الملف الغذائي كمتطلب إجباري لسلاسة وديمومة تبعدنا عن أنين المعاناة والحرمان، وذكرت بمقدمة حديثي محاور الاهتمام الملكي بأساسيات الانسان الأردني، الأمر الذي يحتاج للبدء الفوري بترتيب البيت الداخلي كقاعدة الأساس لنجاح التخطيط، على أن يكون أصحاب الاختصاص هم العرابون والمنفذون، فالجهود الملكية والأفكار المتتابعة لتوفير أبجديات الحياة، كفيلة لتحفيز الهمم الوطنية بأداء دورها، وضمان لنجاح مستحق، فقد كانت الرؤية الملكية منذ بدء الجائحة، بتوجيه رسائل التحذير الداخلية والخارجية، لأن حربنا ضد عدونا المجهول، قد كشفت مدى جاهزيتنا وإمكاناتنا، وتلزمنا بإعادة النظر بمعتقدات بنيناها على أمجاد وفرضيات انتهت صلاحيتها.
يشتمل الأمن التعليمي على سيمفونية الطموح والأحلام لكل منا لتترجم الذات بقدر التحصيل والعطاء، فتختلف مخرجاتها، دون خلاف على أبجدياتها وأركانها، فالتطور الحياتي للإنسان بعد ولادته، بسنوات الفطرة، ينتقل بعدها حكماً لمرحلة التعلم والتعليم، بالحضانة والمدرسة بمراحلها والجامعة بمستوياتها، والتي تتطور وتتغير بسرعة تتحدى حدود المعرفة، فالتقدم العلمي والتكنولوجي، أصبح بوصلة حياتية لا يمكن تجاهل مؤشراتها، وهو حصري بالشعوب التي استوعبت واستقرأت ضوابط المستقبل، فتعمل عبر قياداتها التعليمية بتحديث الأساليب والمناهج بما يتواءم مع المستجدات التي توظف للرخاء والتسهيل بظروف الحياة المتشابكة والمعقدة.
سنوات المرحلة المدرسية بحاجة ماسة لمراجعة مستعجلة للوقوف على نقاط الضعف وتصليحها بشكل جذري، عبر لجان متخصصة بصلاحيات موسعة، وبعيدة عن سلطة صاحب القرار بالتوجيه، فهناك خلل واضح في العلاقة التي تربط الثالوث المدرسي؛ الطالب، المعلم، والمدرسة، ولكل منهم دوره المهم لضمان النجاح، فالطالب هو محور العملية التعليمية ببعده العائلي، ويحتاج لمراقبة ورعاية، ضمن مناهج دراسية متطورة، يقررها وينفذها المعلم بمستويات تراكمية تبنى عبر السنوات، تأخذ في الحسبان جميع الظروف المؤثرة وخصوصا مراعاة واقعية للقدرات والامكانات الفعلية الموظفة لخدمة العملية التعليمية، على أن تكون المدرسة بأبعادها هي الحاضنة الحقيقية للطرفين بين جدرانها وأنظمتها ومناهجها.
ربما علينا الاعتراف بأن هناك خللا أصاب الجسم الجامعي كنتيجة تراكمية لانعدام التطوير والتخطيط ومحدودية الموارد، وضعف الانتاج العلمي، مع قدر مؤثر لظروف الواقع بالانتشار الجامعي وزيادة عدد الخريجين بالتوافق مع انحسار فرص العمل وزيادة نسبة البطالة، ويضاف اليها محاصرة فرص التوظيف بدول الجوار لأسباب نجهل محتواها، فملف التعليم العالي هو مرآة الأردن المستقبلية، ويحتاج لمراجعة متخصصة للتحليل والتشخيص ووضع خطط العلاج الشافي، مراجعة تتجرد من الخواطر وإملاء القرارات حسب الرؤية الأحادية بملفات الدولة الأردنية، فنحن بحاجة لإيجاد المؤسسية التي تعتمد على مدخلات حقيقية، يقررها أصحاب الاختصاص في الميدان، وإنهاء الاعتماد والاحتكار لخبراء الماضي الذين يشرفون منذ القرن الماضي، فهناك الوجوه المتجددة بخبرات حديثة تستحق الفرصة، علينا الاستماع لها والأخذ بتوصياتها، حتى لا نكرر الماضي لمستقبلنا، مذكرا بفصل مهم من فصول التحديث المنظور، ويتمثل بالمحافظة على سياسات القبول الجامعي بواحد من التحديات للمسيرة التعليمية الأردنية بشقيها المدرسي والعالي، وربما اعتماد مبدأ القبول الموحد للجامعات الحكومية قد نثر أسس العدالة، وبعث رسالة اطمئنان للبناء المستقبلي، وربما استنهاض الذاكرة يعطينا الأمل بالقدرة على التغيير للأصلح والأنسب، وأما التوسع بترخيص الجامعات بكليات تحتاج لضوابط، فهو أمر مقلق، وللحديث بقية.
أبجديات البناء الوطني (2/3)
10:22 7-12-2020
آخر تعديل :
الاثنين