تجسد واقع القبول الموازي في الجامعات الأردنية من رحم المعاناة والتجارب، نتيجة منطقية لحلول جذرية لأطراف المعادلة؛ الجامعة والطالب، فجامعاتنا تعاني من مديونية متصاعدة ومحدودية بالموارد، وتناقص قيمة الدعم الحكومي، وارتفاع فاتورة النفقات، بينما يعاني الطالب من محدودية المقاعد الدراسية الجامعية، حتى غدت فرصة الحصول على المقعد الجامعي سيفا يهدد مستقبل الطلبة على مقاعد الدراسة، ومؤشر قلق عائلي لمحطة الأبناء بعد المدرسية، ضمن ظروف متجددة ومتغيرة على أسسس الامتحانات والتقييم، وعبقرية فرضت وجودها بكرم غير معهود وبعيد عن المستوى والواقع بالعلامات الفلكية التي تنعكس على معدل الثانوية العامة، والذي يشكل بوابة القبول الجامعي، فهذا التضخم ببورصة المعدلات العالية، شكل ضغطا عائليا واجتماعيا ووطنيا مضاعفا بسلبية، لدخول كليات الصف الأول التي تعاني من الزحمة، وهي ذات الكليات التي تحتضن السباق المحموم بمقاعد القبول الموازي والقبول الدولي.
لا نريد لعبارات التنظير أن تحتل مساحة من النقاش، فمعطيات المعادلة تحتاج للتوضيح، وأنا أدرك وأعترف سلفاً أن المعدل هو الأساس للقبول الجامعي وخصوصا التنافسي، حقيقة غير خلافية، ولكن الرسوم الجامعية لهذا المسار لا تغطي الحد الأدنى من التزامات الجامعات التي تعتمد بمواردها على الرسوم الجامعية، وعوائد الاستثمار (إن وُجدت)، والدعم الحكومي، والتبرعات، وجميع ما ذكرت، لا يسعف بديمومة الدورة الحياتية للجامعة بالأداء، خصوصا أن معظم الجامعات الحكومية المنتشرة بربوع الوطن لها ظروف مؤلمة، وهناك من الكليات الجامعية والضرورية لا تساهم بأي دخل مادي، ليصبح الاعتماد على الكليات ذات المحج ببوصلة الاهتمام الجامعية وقائمتها تضم أساسا الكليات الطبية، التي بشقها المنافس، تعمق الجرح النازف بالموازنة الجامعية، فكانت البذرة التي غُرست وأنتجت فكرة القبول الموازي والدولي برسوم مضاعفة، لتعويض الجامعات ومساعدتها على الاستمرار بأدائها المتميز، ببناء جيل المنظومة المعرفية والمسلح بالعلم المتجدد للمساهمة ببناء الأردن القوي المستقر، ضمن منظومة التساوي بين المدخلات والمنتجات.
لقد طُبِقَت الفكرة بمنتصف تسعينيات القرن الماضي، بقبول مرحب لعدد من المقاعد الجامعية (نسبة معينة) يظفر بها الأسرع بالتقدم، ضمن معدلات بأفرع الثانوية تؤهل لدخول الكلية المطلوبة، ومع ارتفاع أعداد الطلبة، والزيادة المضطردة بمعدلات الثانوية العامة وأفرعها المختلفة، أصبح القبول الموازي والدولي، ضمن مسار تنافسي لاختيار الطلبة ويعتمد على معدل الثانوية العامة، وهو أمر يحاكي الواقع، فشكل عائدا ماديا يساعد الجامعات على استمرارية الأداء، دون الخضوع لظروف وإملاءات تحت أنين المساعدة المشروطة، خصوصا بتواضع الدعم الحكومي الذي يشمل كافة الجامعات الحكومية.
بين فترة وأخرى، يتصدر موضوع القبول الجامعي الموازي والدولي، أجندة الصالونات السياسية كمحور مهم لكل عائلة أردنية، يدغدغ همومها ويعزف على سيمفونية آمالها المستقبلية بأبنائها، وكل ينظر اليه من زاوية مختلفة وحادة تتعلق بذاته، وربما يشكل مادة خصبة للتعبير عن صور الوطنية والمساواة التي تطبق بجزئية ضيقة، ولن أخفي الهواجس بوجود شكوك لأجندات من خارج أسوار الجامعات، لعدم وجود حلول ناجعة للتطبيق على أرض الواقع، مذكراً، أن محاصرة الطلبة بالقبول الجامعي لأعداد محددة، سيجعل من الطلبة أصحاب المعدلات العالية بالتفكير بالهجرة الخارجية، للبحث عن مقاعد جامعية بدول الجوار ودول الاستثمار التعليمي، التي فتحت أبواب جامعاتها الخاصة وزادت استثماراتها بتسهيلات قبول جامعية، تغري الطلبة، بأقساط عالية التكلفة تدفع بالعملة الصعبة على حساب الميزانية الوطنية، فيصبح أنين المعاناة مزمناً، والأمل بمجلس التعليم العالي ورئيسه الجديد البحث بحلول الواقع وبعيدا عن شعارات انتهى مفعولها التخديري لأمانينا وسنكمل بالجزء الثاني.
القبول الموازي في الجامعات 1/2]
09:09 30-11-2020
آخر تعديل :
الاثنين