كتاب

وصفي التل.. مدرسة الوطنية وأيقونة الانتماء

يأتينا موعد الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول لهذا العام بذكرى «الوجع» لاستشهاد ابن الوطن وصفي التل، فرحل الجسد، وبقيت الروح والأفكار مصدر استلهام لحاضرنا، فـ «وصفي» قد أسس مدرسة تعنى بالشؤون الوطنية، زرعت فينا معاني الانتماء والتضحية، وشكلت مصدر الهام لنا جميعاً حتى الحاضر ولمستقبل مشرق نتمناه، وهو المرجع الأول بمواقفه وتصرفاته المقترنة بأفعاله، لم يستخدم التنظير والتبرير، ولم يبتعد بقاربه الرئاسي عن الذين التحفوا بأقواله وأفعاله، ولم يخدر أمانينا لغد مجهول، وبالرغم من صغر سني عند وفاته، إلا أن الذكرى خالدة وتحتل مساحة بخلايا التفكير، فقد اقترنت بدمعة من والدي رحمه الله، الذي لم يبك أبداً، وعندما استفسرت عن سبب دموعه، أبلغني بعبارته الشهيرة «قتلوا وصفي»، عندها بدأت أستفهم عن وصفي وما سر الحب لهذا الشخص كعامل مشترك عند الجميع، لأدرك أنه أردني مخلص، وعربي قومي مؤتمن، هاجسه المحافظة على الوطن والنهوض به، وتحرير الأرض المقدسة، فلم يسلك سبل الاحتماء خلف جدران أو اشخاص، لم يلتحف بحب الذات، بل رجل ميدان يقدس العمل، فكان المؤسس والعراب للعديد من المؤسسات الخالدة بتاريخ وطننا وأمثلتها قناة الغور الشرقية التي تولت نقل مياه نهر الأردن ونهر اليرموك لأغراض الشرب لساكني إقليم الوسط وري المشاريع الزراعية بمنطقة الاغوار الشمالية لتصنع منها منجم الأردن الغذائي والزراعي، الطريق الصحراوي الذي شكل العصب الرئيسي في ربط شمال الأردن ووسطه مع محافظات الجنوب وميناء العقبة، إنشاء شركتي الفوسفات والبوتاس لاستغلال ثروات البحر الميت الهائلة وتوسيع الساحل الأردني على خليج العقبة لمسافة ١٠٠ كيلو متر جنوباً، إنشاء مؤسسة الإذاعة والتلفزيون ومحطة الأقمار الصناعية، إنشاء جريدة الرأي لتكون حاملة للرسالة وتوثيق التاريخ، تأسيس الجامعة الأردنية كأول صرح علمي في الأردن وإنشاء مستشفى الجامعة الأردنية وتطوير مستشفى البشير، وكان اجتماعه الأسبوعي مع الشعب ليستمع للهموم والمطالب ويوصي بالحلول الفورية، سمة أسهمت لوصفي أن يسكن القلوب.

برصاصة غدر مبرمجة أنهت حياته لتنهي فصلاً حياً مميزاً من فصول حياة الدولة الأردنية الحديثة، وهو الأهم لاستمراريتها، باعتباره أنموذجاً وقامة وطنية نالت الثقة المطلقة، وكانت العنوان لدروس الشجاعة والتضحية لنا على مقاعد الدرس والقاسم المشترك بالرضى عبر فئات الشعب، وكبرنا بالسنوات، وها نحن نردد ونمتثل لأبجديات حقبة وصفي التل بيومنا هذا، حيث اكتشفنا أن القامة الوطنية قد تركت إرثاً يستوعب حاجتنا ليكون محتوى الدرس الأهم بحب الوطن والتضحية، ففي ذلك اليوم المشؤوم، ذهب وصفي ليدافع عن ملف الوطنية والحدود والقومية للدولة الأردنية الهاشمية، بعد أن اختلطت مفاهيم الآخرين أصحاب الدعوة بالوحدة العربية والمصيرية ورؤيتهم بحسابات ضيقة بعيدة عن الواقع، فمزجوا المعطيات والأبجديات بخلاط الغدر والاحتيال.

وصفي التل حكايةٍ أردنية رائدة فريدة، واضحى اليوم مثالاً للسيرة الحسنة التي لا تزول مع تقادم الزمان، ونذكره كل يوم لحاجتنا لأفعاله أو مرجعاً للصدق والجرأة لصاحب القرار، فكم من الظروف الصعبة أعاقت الطريق لقرارات، ونحن نقارن بين حالنا اليوم والسابق، وتبقى عبارته بصدى فعلها السحري بالقول: «إن المواطن الذي يعيش في أمن حقيقي، هو وحده الذي يعرف كيف يموت بشجاعة في سبيل بلده. أما المواطن الذي يعيش في الخوف والرعب والفوضى، فهو لا يملك شيئاً يعطيه لا لبلده ولا لأحد من الناس. ومن غير النظام والقانون، لا يمكن لأي مجتمع في هذا العالم أن يؤّمّن لمواطنيه أمناً حقيقاً». أرثيك كل عام وأحاول جاهدا التغلب على دمعتي التي تنتصر لسيرتك ومسيرتك، لأنها التعبير الأقوى عن ذاتي والسير بنهج مدرستك، فرضعت الوفاء، وتشربت الانتماء، وأسأل: «هل سيولد لنا وصفي التل من جديد»؟ سؤال برسم الإجابة والأمل للأيام، فقد غادرت للقاهرة ونحن بانتظار عودتك.. وللحديث بقية.