كتاب

أين الـعقلاء؟

مؤسف جدا صور المشاجرات التي رأيناها في مناطق مختلفة من ربوع مملكتنا الحبيبة وما نجم عنها من إزهاق أرواح من الإخوة المواطنين الذين لا ذنب لهم اللهم إلا إنهم تلقوا قدرهم في لحظة تفوقت فيها العصبية على العقل الراجح، فكانت الضحية أخوة لنا وأكاد أجزم لو أننا تعمقنا في البحث في الأسباب لما كانت لتلك النتائج الكارثية مدعاة، فزوال الكعبة أهون عند الله من إراقة دم إمرئ أياً كان دينه أو لونه، أو عرقه، طالما أنه قضى نحبه في غير حالة حرب.

لا يوجد سبب ولا يمكن لأي كان أن يتحدث عن مبرر لما يقع بين حين وحين من اقتتال بين أبناء بلدة واحدة في كل مكان من بلدنا ينجم عنها حالات وفاة، فالأرواح غالية وفي عقيدة قيادتنا أن الإنسان أثمن وأغلى ما نملك فكيف له أن يبيت ليلة على فراشه وفي الليلة الثانية نراه أو نسمع عنه أنه قد توسد الثرى، فبأي ذنب يموت مثل هؤلاء الأبرياء، إنه بحق لأمر مؤسف يندى له الجبين.

نوقن أن القانون سوف يطبق على المعتدين الذين يروعون الناس ويقضون مضاجعهم ويزهقون أرواحهم بدم بارد وبدافع الرغبة بالانتقام لكننا نسأل عن العقلاء وأصحاب الرأي والتأثير على فئة من الأبناء الشباب الذين عادة ما يتسيدون مشهد ذلك الاقتتال البغيض بين أبناء عائلة أو عشيرة واحدة، أولئك الرجال الذين يقع على عاتقهم مسؤوليات كبيرة في ردع كل من تسول له نفسه أن ينال من أخيه الإنسان تحت أي ذريعة كانت انتقامًا أو ثارا مقيتا لا قدر الله.

بقي لنا الكثير لنحافظ عليه بما تميزنا به عبر تاريخ وطننا الغالي، فنحن مجتمع الأسرة الواحدة المتماسكة في سراء أحوالها وفي ضرائها ونحن الأردنيون الذين شهد لنا القاصي والداني بأننا نتقاسم لقمة العيش ورغيف الخبز فيما بيننا وأن غنينا يساعد فقيرنا وكبيرنا يعطف على صغيرنا وأن أحدا ابتلاه الله بمرض أو فقد عزيزاً تداعت له سائر المدن بالعطف والرحمة والتواد وبذل كل غال ونفيس للتخفيف من وطأة مصابه ما أمكن.

نعم هكذا جبلنا وهكذا كنا وهكذا ينبغي أن نبقى.. ونريد أن نعود لنرسم تلك الصورة الناصعة النقية كي نظل شامة مضيئة بين الأمم وأما أن نتخاصم ونتصارع بين بعضنا البعض فيقدم أحدنا على قتل أخيه فإنّ ذلك أمر دخيل علينا ولا هو من شيمنا ولا من عاداتنا ولا يمت لمنظومة قيمنا وأخلاقنا بصلة، بل إنه يدمي القلب ويوجعه ويحرم العين منامها.

نحن أحوج ما نكون إلى كلمة سواء وبلدنا في مواجهة صريحة ليست سهلة مع فيروس لعين حرمنا لذة الحياة وننظر بشوق إلى اللحظة التي نقول أننا انتصرنا عليه بصبرنا وثباتنا وقوة عزيمتنا وصدق إرادتنا ورغبتنا أن نعبر هذه المرحلة كما عبرنا سواها.

أيها العقلاء في وطني.. عليكم دور ألا هبّوا لأدائه وأوقفوا ما أوجع القلب وأدمع العين.

Ahmad.h@yu.edu.jo