سيف الله حسين الرواشدة
عند استيراد أي شتلة من بيئة مختلفة يحاول المزارع محاكاة بيئتها الأصلية قدر الإمكان ليزيد من فرص نجاتها في تربتها الجديدة، ومع ذلك فإن هذه النبتة تتأثر ببيئتها الجديدة، لتحظى بشخصية فريدة هي خليط بين المكتسب من محيطها الجديد والاصيل من طبيعتها، لتنتج ثماراً بنكهة مختلفة عن مثيلاتها في الوطن.
والحال نفسه تقريباً عند استيراد مفردات التقسيمات والتوجهات السياسية والتيارات الاجتماعية والفكرية، من مواطنها لإسقاطها على مجتمعنا، فهي تأتينا دون مناخات بلادها الاصلية، ومراحل النمو التي عاشتها المفردات نفسها ومجتمعاتها معها وأحياناً حتى التغيرات التي طرأت على شكل المؤسسات في بلادها أيضاً.
«المحافظون» مثلاً هو وصف يطلق على مجموعة سياسية وفكرية، لها برامجها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية والخارجية التي تعكس جميعها تنظيراً فكرياً مشتركاً تؤمن به، اخترعه فرانسوا رينيه أيام صراع الثورة الفرنسية مع التاج الفرنسي لأسرة البوربون، ويقصد به عموماً السعي للحفاظ على شكل المؤسسات القديمة (السياسية والاجتماعية والاقتصادية) وعلى طبيعة العلاقات فيما بينها وبين المجتمع وحتى بين مكونات المجتمع نفسه، مع مراعاة الاستقرار والاستمرارية للآليات والروافع اللازمة لها.
والسؤال هنا: هل سنجد في مجتمعنا من ينطبق عليه وصف المحافظين؟ ثم على ماذا يحافظون؟ عن أي شكل للمؤسسات أو البنية الاجتماعية؟ وبإمكاننا أن نمد خيمة نفس السؤال لتشمل كل أطياف اليمين واليسار السياسي والاجتماعي والفكري في الأردن.
المناخات السياسية وطبيعة التراكيب الاجتماعية والدينية والتراثية والحراك الإنساني، كل هذه التفاصيل هي ما يعطي المفردات والتصنيفات معانيها ووزن انعكاساتها الواقعية، ولذلك فاستيراد هذه المصطلحات واقحامها في دراسة الواقع في بلادنا والاستغراق في استعمالها في كل المناسبات، لا يعطيها وزناً أو وجوداً لا تمتلكه في الواقع الملموس.
نحتاج في منطقتنا العربية إلى معجم جديد يصف واقعنا، وانقطاع التجربة التي عانت منه مجتمعاتنا في القرون الأخيرة، وانفتاحها السريع والمفاجئ على التجارب الإنسانية في المئة السنة الماضية، الذي أورثنا تشوهات كثيرة نعاني نتائجها على كل الأصعدة، ولهذا نحتاج إلى مصطلحات خاصة تناسبنا، لنرسم حدود واقعنا بدقة، ونفهم مساحاتنا السياسية وتوزيع القوى عليها، ولنؤسس إمكانيات استقطاب فعالة للشباب، ننطلق منها للنقاش، معتمدين أرضية مشتركة نتوافق جميعا على تعريفاتها.
من هذه الأرضية سننطلق إلى رسم خطة نهضة شاملة بنكهتنا الخاصة، تعالج مشاكلنا نحن، وتتماشى مع تجاربنا الخاصة، وتحاكي المراحل التي قطعتها مجتمعاتنا وشكل المؤسسات في بلادنا، لنتحرك بفضلها إلى صياغة تنظيرنا الفكري الخاص واستخلاص حلول تشبهنا وتعتمد على مناخاتنا وإمكانياتنا وخصوصيتنا لتحدياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
اللغات والمصطلحات، هن قوالب الأفكار، يتحكمن بمنظورنا للواقع وتخيلنا للحقيقة، لهذا فامتلاكنا للمصطلح الصحيح، هو أول خطوات التغيير الذي يستحقه أهلنا، ويمليه علينا خوفنا على مستقبل أولادنا، ويحتمه كذلك واجبنا تجاه الله في عمارة الأرض ثم الإنسانية وفي بناء الحضارة ففعل البناء الحضاري متراكم ومتتابع ومتلاحق وقد غابت عنه شمسنا منذ زمن بعيد.