«الوعي الحقيقي» مصطلح استخدمه جلالة الملك عبدالله الثاني في تغريدته الأخيرة التي جاءت رداً على السلوكيات السلبية لبعض الأفراد عقب إعلان نتائج الانتخابات النيابية 2020، ولطالما تحمل تغريدات جلالته عمقاً فكرياً وثقافياً ذا رسائل قيمة، حيث أشار جلالته إلى أن «المظاهر المؤسفة التي شهدناها من البعض لاتعبر عن الوعي الحقيقي للغالبية العظمى من مواطيننا، مما يقودنا إلى البحث عن معنى الوعي الحقيقي وكيف يتشكل؟ وهل هناك وعي زائف يقابله؟ ومادور الإعلام في تشكيل الوعي الحقيقي لدى أبناء المجتمع الأردني؟
الوعي حالة من حالات العقل التي تجعلنا ندرك الواقع الذي نعيشه، ومنتوج فكري يعتمد على جمع وقراءة المعلومات والمعطيات التي يتفاعل معها الفرد عن طريق حواسه الإدراكية، فيتخذ بناء على تلك المعلومات القرارات الحاسمة، مما ينتج عنها تأثيرات سلبية أو إيجابية كالغضب أو الفرح، وعندما يلم الإنسان إلماماً تاماً بالمعلومات وتكتمل لديه الحقائق فإنه يتشكل لديه وعي حقيقي، وعلى العكس من ذلك عندما تتضارب المعلومات وتكثر الاشاعات، وتغيب المعلومات الصحيحة فإنه ستسهم حتماً في تشكيل الوعي الزائف كتبني بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي أن فيروس كورونا وهم وغير موجود، مما أحدث تأثيرا على سلوكات البعض تجلت بعدم الالتزام بالاجراءات الاحترازية نجم عنها انتشار المرض وازدياد عدد الإصابات والوفيات.
يولد الإنسان على الفطرة وتبدأ الأسرة والبيئة المحيطة فيما بعد بتشكيل فكرته عن نفسه ووعيه الداخلي، فتربية الأهل والبيئة كالمدرسة والجامعات والأندية الثقافية والرياضية والمؤسسات الدينية هي من تكسب الإنسان شخصيتة، شخصيتنا التي هي عبارة عن صفات ومهارات نكتسبها مع مرور الوقت، فمن الضروري أن يدرك الفرد أن العادات والصفات غير المرغوبة فيه يمكن أن يغيرها مع الوقت، وذلك بتنمية الفكر والوعي وتحويل السلوكيات والعادات السلبية إلى عادات إيجابية تعكس صورة إيجابية راقية عن نفسه ووطنه.
وللإعلام دور مهم في تشكيل الوعي الحقيقي فتأثيره يكون بشكل مباشر فهو يسهم في تشكيل الوعي الحقيقي عندما يوفر المعلومات الدقيقة عن الأحداث والقضايا ويقدم الشرح ويوضح التفاصيل التي تسهم في تكوين الاتجاه الصحيح، أما فيما يخص الإعلام الرقمي الذي يتميز بخاصية السرعة على حساب الدقة يعتبر سلاحا ذا حدين يمكن أن يسهم في تشكيل الوعي الزائف من خلال المعلومات المغلوطة وتكرارها والذي سيؤدي إلى بناء سلوكات خاطئة، أو أن يقدم معلومات سليمة ترفع من نسبة الوعي الحقيقي لدى المواطنين.
إن خرق قانون الدفاع يوم الانتخابات، وإطلاق العيارات النارية، والتقارب الجسدي، وعدم الإحساس بخطورة الانتشار السريع للمرض، وعدم الالتزام بالكمامة تنم عن غياب الوعي الفكري والأخلاقي الذي إن حضر سيستطيع الإنسان التمييز بين الخير والشر وبين المباح والممنوع، فالانتخابات كشفت عن تدني مستوى الوعي الحقيقي بعض من المواطنين، وهو يضعنا أمام حقيقة مفادها أن وسائل الإعلام ورغم الجهود التي بذلتها منذ بداية جائحة كورونا لم تستطع أن تغير من سلوكات بعض الأفراد، وأن ظاهرة إطلاق العيارات النارية مازالت متفشية في مجتمعنا وتحتاج إلى تكاتف جميع الجهات المعنية لمحاربتها ونبذها.