لا يجوز حصر الخيارات والحلول في ثنائيات الأبيض والأسود، فالحلول الناجحة والواقعية كانت دائما حليفًا لدرجات اللون الرمادي، وكذلك لا يجوز أن نخير الناس بين الإصابة بعدوى الوباء أو الفقر والبطالة، ولا بين الحظر الكلي وبين عودة الحياة لسابق عهدها، فبين التراخي الزائد والتشنج يكون سوء الإدارة.
تقدير الحالة الوبائية للأردن والتنبؤ بمستقبلها صعب جدًا لكنه لا يبشر بالخير ومؤهل للتدهور -لا قدر الله-، وكذلك حال الملف الاقتصادي لهذه السنة والعام قادم، نعلم أنه شاق ويحمل الكثير من التحديات والملفات الساخنة، كارتفاع معدلات البطالة وانحسار الطبقة الوسطى وتمدد الفقر وزيادة المديونية والعجز والاعتماد على المساعدات والمنح، ولكن لا أحد يعلم كيف سيكون شكل الأشهر القادمة تحديدًا.
وبالرغم من كل ما سبق مازلنا نملك مجموعة حلول واقعية ومعقولة التكاليف، قد تخفف وقع الصدمة الصحية والاقتصادية على بلادنا وتساعدنا على مواجهة تحديات المستقبل، فبالنسبة للملف الطبي، نحن نعلم أن الوقت قد فات على العتاب على حديث زيادة القدرات الاستيعابية وتوفير الطواقم الطبية، لكنه لم يفت على تطبيق بعض الحلول الإدارية البسيطة ذات الأثر الكبير، كنقل العيادات التخصصية كالقلب و الاعظام وغيرها للعمل عن طريق المراكز الصحية الموزعة على محافظات المملكة بدل المستشفيات، وليتم توزيع طواقهما علي مناوبات للعمل لمدة ٢٤ ساعة مع تنظيم وأتمتة مواعيد المرجعات لتخفيف الضغط والاكتظاظ وتوفير هوامش أمان ومكافحة أكبر لانتقال العدوى، إضافة لتخصيص مستشفى واحد لحالات العناية الحثيثة لتتمكن باقي الطواقم الطبية باختلاف تخصصاتها من مباشرة عملها في بقية المستشفيات.
إضافة لتدريب كل القطاعات الطبية باختلاف مستوياتها وتخصصاتها على التعامل مع الوباء ومكافحة العدوى وتشغيل وإدارة غرف الحظر والعناية الحثيثة، وتزويد المريض بإرشادات وشروح واضحة ومتكاملة لكيفية التعامل والتصرف، بداية بالفحص الاولي للكشف عن الإصابة وانتهاء بإجراءات الحجر المنزلي.
وقد يكون تقييد الحركة بين أقاليم المملكة، وحث القطاع الخاص على اعتماد آليات العمل عن بعد ما أمكن، وسيلة لزيادة كفاءة التقصي الوبائي ومكافحة انتشار العدوى.
أما بالنسبة للملف الاقتصادي الثقيل، فلابد أن نخرج من ثنائية وقوعنا بين سندان عدم مقدرتنا لتحمل تكاليف حظر شامل جديد، ومطرقة احتمال اضطراب القطاع الطبي، الى التفكير في زيادة الانفاق الرأسمالي وتحفيز المواطنين والقطاع الخاص على الانفاق وبث الثقة بقوة الاقتصاد ومستقبله، وتقليل الكلف التشغيلية والأعباء الضريبية لمنتجات القطاعات المتضررة كالمطاعم وغيرها لتحفيز الاقبال عليها، وكذلك الابتعاد عن الحلول التقشفية والعمل على تحفيز عجلة الإنتاج والنمو، فنحن نحتاج لنسب نمو تقارب ٦٪ للعام القادم للخروج من ظل الازمة المقبلة، ولذلك يجب أن نفكر من خارج الصندوق، خاصة في خضم هذه الظروف الاستثنائية بالنسبة لمن يعد الموازنة، فنقص واردات الخزينة ضخم والمصروفات كبيرة وغير متوقعة وضرورية في أغلب الأحيان، والملفات الملتهبة لها انعكاساتها الاجتماعية والسياسية.
الاختيار بين الأبيض والأسود شاق في الغالب، لكن الرمادي يقدم نفسه كمخرج مفيد بتكاليف معقولة.