أثبتت التجارب العالمية أن النجاح في السيطرة على الموجة الأولى من انتشار جائحة كورونا وتقليل أضرارها الصحية والاقتصادية لم يرتبط دومًا بقدرات الدول أو قوة اقتصادها وضخامة قطاعاتها الطبية، ولا ارتبط كذلك بمستوى الحريات أو درجة الديموقراطية المتاحة للجمهور فقط، فالولايات المتحدة تعاني من أكبر عدد من الإصابات ونسب الوفاة، كذلك عانت دول أخرى كالصين والهند وإيطاليا، ونجحت دول مثل كوريا الجنوبية وتايوان وأيسلندا في إدارة الازمة.
تقاطعت قصص نجاح الحكومات بإدارة أزمة الوباء المركبة (الصحية، والاقتصادية، والاجتماعية) باختلاف خلفياتها مع مستوى ثقة شعوبها بها وبقراراتها، فقد حازت هذه الحكومات ثقة مواطنيها عن طريق مصارحتهم بحالة الملفات الساخنة ومشاركتهم بالتحديات والمستجدات بكل شفافية، واتخاذ القرارات تبعًا لنتائجها العلمية وليس السياسية أو الدعائية بعد محاولة اقناع الشارع بفوائدها، كل هذا ضمن تعاون أكثر المواطنين في اتباع التوجيهات والارشادات الضرورية لمحاربة الوباء.
على المستوى الصحي فالوباء مع غياب العلاجات واللقاحات المناسبة، أعادنا قصرًا لإجراءات القرون الوسطى، كالتباعد واستعمال الأقنعة الواقية، والحجر الصحي، وهذا يتطلب تعاون المجتمع لنجاح هذه الإجراءات، وعلى المستوى (الاقتصادي - الاجتماعي) فالأزمة بالنسبة لنا تبدو حرجة، وسيرحل ميراثها الثقيل معنا للعام القادم، فارقام البطالة مرشحة للارتفاع ومعدلات الفقر تتوسع على حساب الطبقة الوسطى، والمخاضات المجتمعية قد تفرز أسوأ ما في الناس، وسنعاني من مضاعفات اقتصادية أخطر عند تخطي المديونية لحاجز ١١٠٪ نسبة الى الناتج المحلي ا?إجمالي، الذي سينخفض بدوره نتيجة قيم نمو متوقعة قد تتجاوز نسبة سالب ٣،٥٪ إضافة الى ٢ مليار دينار كعجز في موازنة هذا العام، ونقص في الواردات الحكومية وحاجة ملحة لزيادة الانفاق حتى يتم رفع جاهزية القطاعات الطبية ودعم القطاع الخاص، كل هذا رافقه ارتفاع حاد لمنحنى انتشار الوباء واضطراب في المنظومة الصحية، يتحمل وزره العديد من الحكومات السابقة.
لإدارة هذه الازمة ذات النفس الطويل، التي قد تستمر آثارها وتتكرر موجات عدواها خلال العامين القادمين على متوسط التقديرات فحتى لو أنتج اللقاح خلال السنة القادمة فتوزيعه على الناس سيأخذ وقتًا طويلاً. لابد للحكومة من مصارحة الأردنيين بواقعهم الصحي والاقتصادي، ومحاولة اقناعهم بجدوى الحلول المقترحة لمعالجة الملفات الساخنة كتسطيح منحنى العدوى، وزيادة استيعابية القطاع الطبي، وبروتوكولات الفحوصات، وانتقال العدوى للفرق الطبية، وكذلك الحال في الملف الاقتصادي، فموازنة العام القادم تكتب في هذه الأيام، ومعها خطط مواجهة ا?عام القادم الاقتصادية والمالية، وما هي آليات التعايش مع الوباء مستقبلا التي تضمن الموازنة بين الحدود الدنيا من الأضرار والعليا من المصالح.
ليس مطلوبا من الحكومة أن تكون شعبوية لتكسب ثقة الشارع، لكن عليها أن تكون صريحة وشفافة وتحاول أن تقنع أكبر عدد من الأردنيين بجدوى سياساتها وفاعليتها، كما يجب أن تصغي جيدًا للشارع وتحوله لشريك في إدارة الازمة، القادم صعب كلنا نعرف ذلك، لكنه سيمر وينتهي، لكن سوء الإدارة والتقصير والتراخي سيلحق خسارة بالأردنيين وهذا لا ينسى ولا يمحى.