كتاب

منظمات الجريمة الناعمة

لا يوجد عاقل في منظومة الدولة كلها بجميع أشكال سلطتها أو في المجتمع القانوني والحقوقي برمته يرفض فكرة سيادة القانون وبسط حكمه على جميع مواطني الدولة بلا استثناء أو تمييز، فنحن كدولة ولدنا في ظروف استثنائية ومنطقة استثنائية وحياتنا كلها خالطتها في عدة مراحل (الاستثنائيات) التي خلقت في محيطنا حالة عميقة من الاضطرابات والتغيرات انعكست بالضرورة علينا وهذا المحيط (الاستثنائي) لطالما كان عدائياً ويشكل جملة من المخاطر الاستراتيجية على وجودية واستقرار واستمرار الدولة الأردنية، ومع ذلك كله كنا ولا زلنا وسنبقى نتعامل ونؤمن بأننا مملكة دستورية مؤسسية، تخضع لأحكام القانون وسيادة حكمه، لأن ذلك ببساطة شديدة، جزء لا يتجزأ من رأسمالنا الوحيد، الذي نتفرد فيه في محيط ملتهب (الأمن والاستقرار الوطني) لذلك كان رأس المال الأردني عبر التاريخ محطة استهداف..

شيفرة الأمن الوطني الأردني راسخة جداً بمقدار وضوحها وهي مبنية على خزانات الانتماء والهوية (العشائر العربية ) وقيم الإيمان والدين التي تتجسد في (الأسرة) ومنظومة بيروقراط وإدارة أسهمت في بناء الدول الشقيقة ودائماً بالإمكان إعادة بنائها وتجديد هذه الأركان لأن الأسس التي قامت عليها ورفعت جدرانها هي أسس صحيحة فنشأة جيشنا مثلاً فريدة ونموذجها استثنائي يستحق الدراسة باعتباره سابق على نشوء الدولة، لا بل هو من انشأها فكان وسيبقى اسمه (العربي) وكان الأردن ولا يزال نتاج ثورة عربية بالأساس، لا حركة تحرر وطنية وقد ساهم فيه كل أحرار العرب أما مؤسسة العرش التي ارتضاها الأردنيون لأنفسهم فهي المرجع والضمانة لتمثل تلك النقطة الدقيقة من التوازن الوطني التي ترخي استار الطمأنينة على الجميع باعتبارها عامود الاستقرار ورافعة خيمته..

بالطبع معادلات القوة الأردنية والاستقرار لدينا لا تعجب البعض، وربما الكثير، فالعدو الاستراتيجي الواضح مثل الأرهاب والصهيونية، يمكن التعامل معه بقوة، ولدينا من الخطط والتعبئة الرسمية والشعبية، ما يكفي ويفيض، لكن ماذا عن منظمات الجريمة الناعمة، التي اخترقت البلد تحت مسميات شتى من تنظيمات سياسية ومنظمات حقوق إنسان ومراكز دراسات ومجموعات إعلامية التي ترتبط بمشاريع عابرة للقارات لا الحدود فقط ولديها اتصالات عميقة بمنظمات دولية وسفارات وجهات الظل وهي تمارس ليل نهار عمليات التخريب الفكري وتمييع الهوية ومحاولات تفكيك بيروقراط الدولة والبنية الاجتماعية وتحالفت مع مجموعات الاختراق الاقتصادية وعصابات الصناديق الدولية التي نفذت من خلال الخاصرة الوطنية الضعيفة (الحاجة) إلى داخل تفاصيل المجتمع.

اليوم يخوض الأردن كله من رأسه حتى اخمص قدميه معركة كبرى في معادلات الاستقرار بمواجهة عصابات شكلت انساق بدائية لما دون الدولة، اعتقدت أنها الدولة وأنه يمكنها فرض قوانينها الخاصة على المجتمع والدولة وفي لحظات كتابة هذا المقال هنالك رجال أردنيون نشامى من الأجهزة الأمنية قرروا ان استقرار المجتمع وحفظ هيبة وطنهم ودولتهم يتقدم على اعتبارات حفظ الروح والنفس لذواتهم، وقد ارتفع لكل فرد منهم مستوى التضحية في سبيل مجموع الشعب الاردني لكن العجيب أن نجد بعض المنظمات المحسوبة زورا وبهتانا على حقوق الانسان بدأت اصواتها ترتفع للدفاع عن منظومة الشر والبلطجة المجتمعية، في مفارقة وتناقض لنفس المبادئ التي تتبناها فكيف تدافع هذه الجهات عن شرذمة خرقت القانون، وتحاول النيل من منظومة كاملة، تعمل على سيادة حكم القانون! الأمر بات يستدعي مراجعات عميقة لهذه المنظمات ودورها وطبيعة تمويلها لأنها لا تعدو كونها تمريراً ناعماً للجريمة..