لا نقاش ولا جدال في ان الذي يعتدي على طبيب او طبيبة هو مجرم ضد الانسانية ويجب محاسبته ومعاقبته ولكن لماذا لا نسأل انفسنا سؤالاً مهماً يطرح نفسه في كل مرة يتم فيها الاعتداء على الاطباء: لماذا تم الاعتداء؟
انا اقول ان الطبيب هو انسان من لحم ودم، يرزح تحت كاهل امور عديدة:
عدد ساعات العمل الطويلة والمرهقة خاصة بالنسبة للاطباء المقيمين المتدربين وهذه الساعات تشكل ضعف عدد ساعات العمل اليومي والاسبوعي المعترف بها عالمياً. أضف الى ذلك ضعف المردود المادي للطبيب الذي يتقاضى راتباً زهيداً وهو الذي درس بعد الشهادة الثانوية سبع سنوات طويلة ليحصل على شهادة الطب العام يدخل بعدها الى مرحلة التدريب للتخصص لمدة تتراوح بين 5-7 سنوات أخرى لا يستطيع اثناءها ان يكون عائلة او ان يبني بيتاً ويبقى هو او هي بحاجة لمعونة مالية من افراد العائلة. نحن هنا نتحدث عن الطبيب المقيم الذي يتقاضى عادة 500 دينار اردني كراتب شهري، لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا نتحدث عن الكثير من الاطباء الذين لا يتقاضون راتباً بل يدفعون من جيوبهم حتى يتمكنوا من التدريب في المؤسسات والمستشفيات الطبية المختلفة، مع ان ذلك مخالف تماماً لقانون العمل الاردني.
من المعروف طبياً ان المريض الجديد يحتاج لفترة لا تقل عن 45 دقيقة لأخذ السيرة المرضية عن الشكوى الحالية و معرفة الامراض السابقة التي يعاني منها المريض و الادوية التي يتناولها و الجراحات التي اجريت له, والحساسية من الادوية بالاضافة الى ان المرضى الاناث يتم الاستفسار منهم عن الدورة الشهرية وعدد مرات الحمل و الاجهاض واسبابه اما بالنسبة للاطفال فيجب الاستفسار عن جدول التطعيم وتطور الوزن و الطول و التغذية ومن ثم فحص المريض سريرياً ودراسة الفحوصات المخبرية والشعاعية ومن ثم ابداء الرأي واعطاء العلاج اللازم وشرح تأثير هذا العلاج وتداخله مع الادوية الاخرى ومضاعفاته أو شرح العملية الجراحية اللازمة بالتفصيل للمريض واقاربه. تحت الظروف القاسية التي ذكرناها سابقاً يقوم الطبيب المقيم المتدرب بمعاينة 150-200 مريض يومياً في العيادة الواحدة التي تستغرق عادة ثلاث ساعات اي ان الطبيب يعاين 4 مرضى في الدقيقة الواحدة. اي طب وهمي ومزيف هذا الذي لا ينفع اي مريض؟ واي خبرة يجنيها الطبيب المتدرب الذي لا يستطيع ممارسة ما تعلمه في كلية الطب؟ نحن هنا امام مخالفة واضحة وصريحة لقانون الطب و ممارساته تؤدي الى أخطاء طبية خطيرة واعتداءات متكررة.
الم تلاحظوا قلة عدد الاطباء المناوبين المقيمين في مؤسساتنا الطبية المختلفة وهم الذين عليهم مواجهة العديد من الحالات الطارئة، وتذكروا في نفس الوقت ان هناك اكثر من 4 الاف طبيب عاطل عن العمل.
أنظر كذلك الى ضعف تأهيل وتدريب الطبيب المقيم لمواجهة الحالات الطارئة بالاضافة الى ضعف التأهيل العلمي من حيث الندوات والمحاضرات اليومية وهو الامر المعمول به في كل برامج الاقامة في انحاء العالم المتقدم. برامج الاقامة الاردنية، ما عدا قلة منها، تعتمد اسلوب "صبي الميكانيكي" الذي يتعلم من صاحب الكراج فيتابعه ويحمل له الادوات و يتابع بعينيه ما يفعل. جل ما يحصل في البرامج التدريبية الاردنية تلك، هو اجتماع صباحي لمدة نصف ساعة يتحدثون فيه عن الحالات التي تم ادخالها في الليلة الماضية دون محاضرات يومية واسبوعية وشهرية و مؤتمرات سنوية كما في باقي البرامج التعليمية في انحاء العالم المتقدم.
اضف الى ذلك ضعف الدور الذي يقوم به المجلس الطبي الاردني الذي تحولت وظيفته من التعليم والتطوير الى اجراء الامتحانات وكلنا يعلم عن موضوع تسرب اسئلة الامتحانات وضعف الممتحنين انفسهم الذين لا يجيدون وضع اسئلة الامتحانات ولم يتم تدريبهم عن كيفية ان يكون ممتحناً بل نجد ان بعض لجان الامتحان تتكون من أطباء يأتون من المؤسسات الطبية المختلفة دون النظر الى اهلية هؤلاء الأطباء لاداء دور الممتحنين فاختيار لجنة الامتحان هنا يقوم على أساس أن يكون هنالك ممثل من كل مؤسسة طبية دون النظر الى خبرته و معرفته كممتحن.
اضف الى ذلك ايضاً ضعف الدور الذي تقوم به وزارة الصحة من حيث مراقبة المستشفيات التابعة لها ومدى نجاعة البرامج التدريبية فيها، هذا أن وجد.
اما بالنسبة الى نقابة الاطباء الاردنية فهي لا تقوم بما يكفي من حيث مراقبة الاطباء وشهاداتهم ويكفي ان تمشي في شوارع الاحياء الطبية في عمان لتقرأ يافطات الاطباء وما تحويه من معلومات وشهادات مغلوطة تعلم عنها النقابة ولا تفعل شيئاً حيالها ولسان حالها خلال السنوات الماضية: "الموضوع كبير جداً ولا نعرف من أين نبدأ". ان ما يكتبه الاطباء في يافطاتهم يخدع المريض الذي يقرأ أن الطبيب مستشار بينما هو قد انهى تدريبه للتو، او ان الطبيب يحمل دبلوما في جراحة الغدة النخامية مثلاً وهو حقاً لا يحملها او ان الطبيب كان رئيس مركز معروف في موسكو وهو لم يكن كذلك حقاً، أما عن عضوية الجمعيات الاجنبية فحدث و لا حرج، يحسبها المواطن شهادات، بينما يستطيع أي طبيب ان يشترك في تلك الجمعيات مقابل دفع رسوم الاشتراك، لكي تصله نشرات طبية دورية، فقط.
من كل ما سبق أقول:
يحق لنا أن نتفاخر بالتقدم الطبي الاردني الذي حققه للاردن قلة من الاطباء الشرفاء الذين وضعوا الاردن على الخارطة الطبية واذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: داوود حنانيا، يوسف القسوس، اسحق مرقة، نادر يونس، طارق سحيمات، محمود فياض، زيد الكيلاني، فؤاد الصايغ، انطون عطاالله، حسام المحتسب وغيرهم الكثير دون انتقاص لمن لم اذكر.
هذا الطبيب المتعب المرهق المفلس الذي لم يتم تدريبه في معظم الاحيان بالشكل الصحيح عليه ان يواجه اعداداً ضخمة من المرضى والمراجعين والمرافقين في ظروف سيئة و نتساءل لماذا يعتدون على الأطباء ؟
كفانا دفناً لرؤوسنا في الرمال كالنعامة ولنواجه هذا الموقف قبل فوات الاوان
فالوضع الطبي في الاردن مترهل و يجب ان نواجه ذلك بكل الحزم والتصميم على تغييره.
ibrahimsbeihaz@gmail.com
النعامة ..
09:25 2-9-2020
آخر تعديل :
الأربعاء