تمتلك الطبقة الوسطى في أي مجتمع القدرة على خلق آليات الاستمرارية والتطوير من الداخل للهياكل والمؤسسات في بلادها، فهذه طبقة تتمتع بقدر جيد من التعليم، والامن المعيشي، وتساهم في زخم المجتمع المدني واشتباك الشارع مع قضاياه، ويحلم أبناؤها دومًا في الارتقاء للغنى والريادة والابداع وبنفس الوقت يسكنهم هاجس الانزلاق الى الفقر والفشل، لذلك يكون سعيهم دائما للإصلاح ناعمًا وسلسًا، وتتسم مطالبهم بتحسين الظروف الاقتصادية والسياسية بالمعقولية والتدرج، وتحصيل الممكن من الحقوق والمكاسب تبعًا لما تتيحه الظروف.
من الصعب حصر الطبقة الوسطى تحت تعريف جامع، لكن لأسباب إحصائية يمكن أن نعرفها تبعاً لمنهجية الدخل والانفاق، بأنها الجماعة التي يتجاوز نصيبها من الانفاق السنوي، ضعفي ويقل عن أربعة أضعاف خط الفقر، الذي يبلغ في الأردن ٨١٣،٧ دينار للفرد سنويًا، واذا أضفنا لهذا التعريف نتائج مسح العاملة والبطالة الجولة الرابعة لعام ٢٠١٨، التي تشير الى أن حوالي ٣٠٪ من القوى العالمة يتراوح دخلها الشهري بين٣٠٠-٤٠٠ دينار، وأضفنا نسب البطالة التي تجاوزت ١٩٪، يمكننا تصديق تراجع أعداد المنتمين للطبقة الوسطى من ٤١٪ في عام ٢٠٠٨ الى ٢٩٪ ف? عام٢٠١٠ بالنسبة لعدد السكان وترجيح تراجع هذه النسبة في العشر سنوات الأخيرة مع انه لا يوجد لدينا دراسات تؤكد ذلك.
تعتمد مداخيل الطبقة الوسطى عمومًا على قطاعات التجزئة والتجارة والإدارة العامة والدفاع، ومن بعدها تساهم قطاعات النقل والاتصالات والصناعة بنسب أقل تقدر بحوالي ١٢٪، ولا تتجاوز مساهمة قطاعي الزراعة والتعدين نسبة ٣٪ من الدخل، هذا التوزيع يتطابق مع التحديات التي يواجهها الاقتصاد الوطني عموماً، من تراجع قطاع الزراعة وضعف قدرات القطاع الخاص التشغيلية وتفضيل الأردنيين للعمل في القطاع العام، وصعوبة استقطاب الاستثمار.
وفي ظل انكماش متوقع للاقتصاد الأردني والعالمي نتيجة جائحة الكوفيد-١٩، وتراجع معدلات الدخل وارتفاع نسب البطالة والفقر، تتوجه العديد من دول العالم لمراجعة سياساتها ونماذجها الاقتصادية، للمحافظة على طبقاتها الوسطى ومساعدتها على الصمود، ويتحدث الاقتصاديون عن تراجع العولمة لصالح التكتلات الإقليمية وإعادة توطين الصناعات الحساسة والعمل على تحقيق الامن الغذائي للمواد الاساسية، وتحسين منافسة الصناعات المحلية واسنادها، كذلك يجري الحديث عن إعادة رسم الهياكل الضريبية لزيادة نسبتها على الطبقات الغنية والقطاعات الصناعية?و البنوك وقطاع التمويل، ليعاد توجيه هذه الأموال للاستثمار في البنى التحتية والخدمات والمرافق العامة.
الطبقة الوسطى المتآكلة تحتاج الى خطة حكومية شاملة لإعادة بنائها وتدعيم مصادر دخلها، وإيجاد مصادر دخل جديدة لها أيضا، تتناسب مع متطلبات السوق المحلية والإقليمية، وأخذها بالاعتبار عند توقيع الاتفاقات التجارية أو رسم سياسات التعليم والهياكل الضريبية والرسوم الجمركية وخطط التنمية المحلية وغيرها من التوجهات العامة، وتحتاج كذلك للمزيد من التمكين السياسي لأفرادها، فاستقرار الطبقة الوسطى وتوسعها، يعكس عافية المجتمع ككل، ومدى نجاح النماذج الاقتصادية الحكومية وخطط التنمية والنهضة كذلك.