كتاب

نتائج «التوجيهي».. رؤية ما حدث ونظرة نحو المستقبل (1-3)

تحدثت بأكثر من مناسبة وفي هذه الصفحة بالتحديد من منطلق تربوي كمراقب ومهتم بثوب الوطنية الغيور، عن امتحان التوجيهي وأهميته ومكانته، محذرا من الإفراط والتضخم ببورصة المعدلات العالية، ووجهت أكثر من نداء لاحترام قدسيته عندما سمعت شكواه وأنينه، حيث هناك اعتداء مبرمج خلال السنتين الأخيرتين على قدسية هذا الامتحان بما يمثله من إرث علمي وتربوي وتعليمي، لأنه البوابة الرئيسية لدخول الحرم الجامعي ضمن مساقات التخصص ومتطلبات سوق العمل، ولكن النتيجة بمعدلات التحصيل، تجاوزت سقف التحذير، فخلطت أبجديات اجتماعية، وحفرت أخاديد مجتمعية؛ تسببت بضغط على العائلة، ضغط على البنية التحتية الجامعية، زيادة مضطردة بأعداد المقبولين تفوق القدرة الاستيعابية، على حساب الجودة المتوقعة والنوعية المأمولة، ومرد ذلك اعتماد النتائج على سياسة شخصية لرأس الهرم بوزارة التربية والتعليم ومدى اجتهاده، بعيدا عن الصيغة الإنشائية بأنها قرارات للمجالس المتخصصة، وربما صدمة النتائج في السنة الماضية وارتداداتها، لم تسمح لنا بفترة نقاهة ونسيان، فحذرنا بأكثر من مناسبة من تكرار السيناريو، لتكون نتائج هذا العام صادمة مفرحة جعلتنا نترحم على الماضي، بعد أن أصبحت الجامعات مشبعة بأضعاف قدراتها، فالطلبة وأهاليهم يدركون هذه الحقيقة، ويعرفون جيدا أن مستوى التحصيل مبالغ فيه، حتى لو كانت ظروف عقد هذا الامتحان لهذا العام استثنائية؛ فهناك تحدي بعقد الامتحان بسبب الحالة الوبائية العالمية والإقليمية بالتحديد، وهناك ظروف دراسية في بداية العام الدراسي تسببت بتأخر البداية، ثم تجربة التعلم عن بعد بالظروف الوطنية القاهرة، وهناك تجربة عقد الامتحان لمرة سنوية واحدة للعام الثاني على التوالي، ولكنها مجتمعة وغيرها، ليست مبررا أبدا لمثل هذه النتائج الكارثية، والتي ساهمت بضبابية الرؤية للمستقبل، فامتحان التوجيهي، ليس امتحانا عاديا، بل يعبر عن رؤية وطنية وعنوانا للدولة، وهو ينهي مرحلة عمرية لبدء مرحلة حياتية جديدة اعتمادا على درجة التحصيل الحقيقية التي تعكس مستوى الطالب الحقيقي، الطالب الذي سيدخل الجامعة للتخصص، ليساهم بدور محدد في بناء الوطن وتقدمه والمحافظة عليه ضمن تحديات الحياة المتجددة؛ الجندي الذي يحمي الحدود، الطبيب الذي يعالج، العالم الذي يكتشف، المهندس الذي يبني، القاضي الذي يحكم، المعلم الذي يربي، الصحفي الذي ينقل الخبر، الاقتصادي الذي ينافس، المهني الذي يكمل، المزارع الذي يثري عطاء الأرض، الريادي الذي يواكب، الرياضي الذي يمارس، الفنان الذي يبهج، وجميع المهن دون حصرية بتفقيطها، فالمجتمع الرغيد بحياته هو المجتمع الذي تتوفر بمنهجيته الرفاهية لأبنائه بسبب تناغم وتكامل سيمفونية العزف بين مقدمي الخدمة، حيث شهادة التوجيهي هي أساس البنية التحتية لعطاء كل هؤلاء عندما تعكس قدراتهم التحصيلية، فتشكل امتدادا لماضيهم بحاضر يرسم مستقبلهم.

ظهرت النتائج، وبدأ الدفاع عنها بحجج غير مقنعة لشعب مثقف، عصرته التجارب، يلحن أمنياته بثقة مهزوزة، وها نحن الآن على مسافة ايام قليلة، عن فرحة قياسية بكل دلالاتها وتحدياتها بالقبولات الجامعية، إذ جاءت نتائج طلبتنا، في الثانوية العامة؛ سبباً في دوامة معرفية، تربوية، اجتماعية، قد تفسر لماذا انخفضت نسبة النجاح العامة عن الدورة الماضية في العام السابق، إذ انخفضت نسبة النجاح العامة من 58.3 % العام الماضي، لتصبح 56.5%، ولكنها لا تفسر ارتفاع بورصة المعدلات الخيالية أو تبررها، ولعل رؤية ما حدث، تنقلنا إلى سؤال عن طبيعة معدلات الطلبة، التي شهدت ارتفاعاً كبيراً، هو بالتأكيد نقطة فاصلة قياسية، تاريخية في أداء الطلبة عبر منظومة التعليم الثانوي في المملكة، ولا تعكس أداءهم عبر سنوات الدراسة السابقة للمقارنة، وللحديث بقية