كتاب

الانتخابات النيابية.. استحقاق دستوري يتطلب دقة الاختيار (2-3)

قبل الشروع بقرار الاختيار، فعلينا جميعاً واجب المحاسبة لأصحاب الوعود الخيالية السابقة منهم أو الذين تتصدر شعاراتهم واجب الاستحقاق الآن، ونحن ندرك أنهم يملكون معجماً جاهزاً من مبررات الإخفاق، ولا ننكر عليهم خطبهم النارية المبرمجة والتي يغلفونها بثوب الحرص على مصلحة الوطن ومصلحتنا، بعتب متكرر على وسائل الإعلام التي تتجاهل إسماعنا لسيمفونياتهم، التي حفظناها ورددناها بسبب التكرار على مسامعنا، وهم يدركون ونحن ندرك تماماً أن ذلك يُغلف مصالحهم الشخصية بمجال اختصاصهم أو لدوائرهم الضيقة من المحيطين، حتى لو وصل لمرحلة التوريث.

أدرك بحكم التجربة والمعاناة منذ عودة الحياة النيابية للأردن في العام 1989، وأدرك أن استعراض أفراد القوائم الانتخابية سوف يحتاج لمنجم أو محلل عبقري بدرجة تصل لصاحب فكرة القانون الانتخابي، دون وعد للوصول لنتيجة حاسمة تزيل لغط الشك، فمعرفتنا بالعدد الأكبر منهم عندما مارسوا الدور النيابي بدورات سابقة، وما تركوا بمتحف الذكريات من سلبيات وقرارات قاتلة لنا، جعلتنا ننظر لانسجامهم بحذر وخوف دون يقين على هذا الانسجام، فالعامل المشترك الأقوى حرص كل واحد على الفوز بمقعد نيابي، يفتح به طريق الكسب السريع على حساب مفهوم الأداء الدستوري، فالمفروض أن الوظيفة الأساسية لمجلس النواب تنحصر بالتشريع وسن القوانين ومراقبة الأداء للسلطة التنفيذية ومحاسبتها، مواصفات دقيقة وتحتاج لخبرات ومؤهلات وربما تنحصر بمن تسلسل لرصيد كبير من التجارب وليس من بينها رأس المال المتنامي بمختلف النشاطات التجارية والعملية، حيرة تجعلني أتساءل عن قدرة أصحاب الأموال أو نواب الاجماع على تأدية الدور الرقابي الحساس والبعض بضبابية لتاريخ الوطن ومكونات الدستور.

مشاركتنا باختيار أعضاء مجلس النواب القادم سترسي واقعاً جديداً، وتعلن ولادة شرعية دستورية وقانونية وشعبية لمجلس نواب جديد سيكون له حضوره في الحياة السياسية بعد مخاض صعب، بغض النظرعن عمق هذا الحضور وحجمه، والذي يعتمد على مجموعة من العوامل الداخلية التي سيكون لها وقعها وتاثيرها على لغة الخطاب وعلى الفعل، فواجبنا أن نختار بحس وحرص بعيد عن درجات التعصب بأشكالها خصوصاً بانعدام البرامج الواقعية، واعتماد تبرير الفشل على قاموس مزدحم بالأعذار. التجديد والتغيير وصفة حياة وقدر للدول التي تعتمد سياسة المحافظة على الإنجازات التي تتطلب ترجمة الانتماء بمعناه الواقعي، ويؤسس لمراجعة دورية لمفاصل البناء بهدف تفعيل الايجابيات وتعديل السلبيات.

جميعنا شريك بعجلة البناء وعلينا واجب بواحد من فقراته بالذهاب لصناديق الاقتراع، فالانتخابات النيابية يجب أن تكون مناسبة لوقفة تقييم ومراجعة باتجاه التجديد الضروري على الصعيد الداخلي المتمثل بالأشخاص، فنحن في بلد السلم والأمان وسط بحيرة ملتهبة بصراعات مدمرة، نحتاج لإصلاح شامل ليس على الصعيد السياسي فقط، بل في الشأن الاقتصادي والاوضاع الاجتماعية السائدة التي تحتاج الى رؤية سليمة متأنية تضع حلولا تدريجية لكل الاختلالات التي تعيق التطور الايجابي لهذه القطاعات، وممارسة الدور الرقابي والتشريعي لمجلس النواب القادم بحرفية التعبير ستبعث برسالة اطمئنان لازالة الخوف وربما تكون مقدمة لخطوة منح الثقة المتجددة التي ترتوي بالأفعال لنقطف ثمارها، وحرصنا على تقوية الجبهة الداخلية وتعزيز قيم الانتماء ستعبر بواحد من الاختبارات عبر المشاركة الحقيقية ببوابة الانتخابات، فامتلاك المؤسسات الدستورية بعد ان يكتمل عقدها بمجلس نواب جديد على حيوية وجاذبية لافتة في اطار منظومة وطنية تشخص الواقع وتضع الحلول التي تراعي الظروف والامكانات، وتقترب من تطلعات القيادة والشعب في السعي للنهوض بالوطن ستساهم بتوفير فرص الرخاء لنا جميعا وتجعلنا نعيش بدرجات الانسجام التي تبشرنا وتشجعنا، وللحديث بقية.