تقاوم الحكومات عمومًا التغيير السريع والمفاجئ، وتفضل بقاء الأحوال على حالها أطول فترة ممكنة، وإن ارغمتها الظروف على التغيير، يحاول الساسة والجهاز البيروقراطي حصر متطلبات الإصلاح في أضيق مجال ممكن.
أما المجتمع فيتفاعل مع نتائج القرارات الحكومية كالفقر والبطالة وارتفاع الأسعار وغيرها، ولا يلتفت للتوجهات السياسية والاقتصادية التي انتجت هذه الآفات، وهذا ما يشوش على المجتمع الذي يأمل دائما بتحسن الأوضاع مستقبلا، فينتقد النتيجة لا السبب.
تتفاعل فئات المجتمع بشكل متفاوت مع ملفات التغيير والإصلاح، حسب مصالحها، كما فعلت بعض النقابات التي تمثل الطبقة الوسطى قبل حوالي سنتين لما ترأست الحراك الشعبي لمواجهة قوانين الضريبة الجديدة وانسحبت بعدها من الصورة بعد أن ضمنت عدم المساس بمصالح أفرادها ولو مؤقتًا، أو كما تفعل بعض القواعد الاجتماعية التي قد تتحرك للدفاع عن أحد افرادها -ظالما او مظلوماً- معتقدة أنها بذلك تدافع عن مكتسباتها أو ما تظنه حصصها من النفوذ والمقاعد على طاولة السلطة، متناسية مصلحة المجتمع العامة.
ويبقى السؤال، من يصلح لتبنى الدعوة للإصلاح ويوازن بين الحكومات والمجتمع؟
يقع هذا الواجب على النخب السياسية والثقافية، فهذه النخب تمتلك القدرة على استشعار الأخطار، والتنبؤ بنتائج مخاضات الشارع، وقراءة مآلات الامور، وكذلك القدرة على التفريق بين السبب والنتيجة، فالعلاج يكون للعلة لا لعوارضها، فالمصاعب الاقتصادية لا يمكن تجاوزها بالإصرار على النهج الاقتصادي نفسه، لهذا فنحن نحتاج الى مجلس حكماء يرسم خارطة للإصلاح نلتف حولها جميعا.
والحديث هنا عن النخب الحقيقية لا عن النخب التي تفرض على المجتمع نتيجة تقاطع مصالح الساسة والحكومات مع أصحاب المال أو غيرهم من فئات المجتمع، أو عن من ورث مقاعد الصفوة بدالة صنيعة الأجداد فقط، مما يحرم المجتمع من افراز نخبه بطريقة طبيعية يحصل من خلالها اشتباك بين هذه الصفوة وهموم مجتمعها وقضاياه، وتعايش النخب واقع شعوبها وتكسب ثقتها، حتى تستطيع قيادتها وتوجيهها والإفادة من زخمها الشعبي، فالدعوة للإصلاح تحتاج الى حاضنة اجتماعية تتجاوز اشكالية الفروق الطبقية الاجتماعية ومصالحها الضيقة تمنحها القوة الدافعة اللازمة لها للتغيير وتجاوز التحالفات السياسية والاقتصادية القائمة.
فالنخب تولد من رحم المجتمعات بتفاعل أفرادها ايجابياً مع التحديات التي يواجهها الناس، إما بإسنادهم ماديًا ومعنويًا أو بتوجيههم وتنظيم تحركاتهم الشعبية، وإلقاء الضوء على مسببات هذه الازمات والاخطار ومكامن الخلل وسبل التغلب عليها وتصحيحها، وضرب المثال بالتضحية في سبيل المصلحة العامة.
أما آليات انتاج النخب فتخلف حسب خصوصية المجتمعات وتركيبها، ونوعية التحديات التي تواجهها، وطبيعة وشكل مؤسسات الدولة، وتتقاطع جميعها في امتلاك أفرادها لبرامج اصلاح حقيقية وخطط واقعية لتنفيذها، تتبلور عن طريق الأحزاب أو النقابات المهنية ويترجم اقتناع الناس بها وآليه محاسبة أفرادها بنتائج الانتخابات النيابية ومدى التفاف الجمهور حول أصحابها ورموزها.
حاجتنا للنخب كطرف ثالث ضرورة لتجسير المسافة بين الجميع، ومد جسور الثقة بين أفراد المجتمع نفسه وبينه وبين الحكومة، باختصار نحن نحتاج نخبة تدعو المجتمع والحكومة معًا للإصلاح.