أكثر ما رسمته في حياتي القدس والأنباط
بداياتي في الرسم كانت على يد ميشيل كرشة، أول سوري يدرس في فرنسا، وبعد عودته كنت أول طلابه
والدتي السبب في عشقي للفن.. كانت تتقن التطريز، فتأثرت بالرسومات التي تقوم بتصميمها
أول من أدخل الآلة الكاتبة إلى الأردن مدير معهد النهضة كمال عودة
ونحن نخرجُ من حَجْر التباعد الاجتماعي، ونعيدُ اكتشاف الذي كُنّا عشناه ولم نعرفه كما يستحق، فلن يكون أزهى من رفقة شيخ الفنانين، رفيق اللحام، ليعيد تظهير ما كان رسمه لنا من عمان والقدس والشام وبينها بترا الانباط.
هذه المرة، صًحبة استاذ الأجيال رفيق اللحام، في رحلة العودة للاشتباك الاجتماعي، نعتقدُها صحبة مختلفة. فهو في امتلاكه كلمة السرّ التي يلتقي فيها الخط واللون والهندسة مع التاريخ، يستطيع ان يستنطق ثمانية عقود عاشها رائدا جماليا للمساحة الخضراء التي تتوجع فيها عمان والقدس ودمشق بصوت مشترك نسيهُ الكثيرون.
رائد الفن الأردني ولد في الشام عام 1931 لحمولة اللحام فلسطينية الأصل، ويعرف من عمّان الاربعينيات والخمسينيات ما يمكن ان نستعيده اليوم.
مشهد العيد من جامع الحسيني
الى فندق فيلادلفيا
كانت عمان في نهاية الأربعينيات عروساً بكرا أقرب إلى القرية منها إلى المدينة، وكانت تحمل بعض مظاهر دمشق، وخاصة أيام احتفالات أهلها بالأعياد والمناسبات الدينية، مثل المولد النبوي الشريف حيث ترفع الزينات قرب المسجد الحسيني الكبير وسط البلد، أو في شارع الملك فيصل. كانت العادة ان يُكسى شارع السعادة، وشارع الرضا بالسجاد، ومن أمام بيت أبو قاعود ديرانية، في وسط البلد تبدأ جولات لاعبي السيف والترس، ويقوم الشباب بجولات وسط زحام المواطنين الذين جاؤوا للاحتفال بهذه المناسبة، وكانت الحلوى والمرطبات تقدم مجاناً للجميع.
من معالم عمان التي عرفتها في يفاعة شبابي مدرسة الصناعة في طريق السلط والتي سقفت بصفائح الزينكو، وعرفت معمل البوظ الذي كنا نشتري منه قوالب الثلج في الصيف.
كانت آخر معالم العمران في عمان باتجاه جبل عمان كروم أبو شامي، حيث كنا نقطف العنب منها خائفين من الواويات والثعالب التي كانت كثيرة في تلك المنطقة.
عمان التي كانت من معالمها البارزة فندق فيلادلفيا، أقدم فندق في عمان بني عام 1928، هذا الفندق شهد أهم الأحداث السياسية والاجتماعية في الأربعينيات والخمسينيات وحتى الستينيات. وللأسف انه "أغتيل" عام 1988 لتحتل مكانه الساحة الهاشمية وسط البلد.
حتى الفن التشكيلي كانت له حصة من بدايات عمان حيث احتضنت عمر الأنسي وضياء الدين واحسان إدلبي وفخر النساء.. وهي عمان التي احتضنت أول معرض للفن التشكيلي.. انها عمان الحبيبة ذكرياتي معها عميقة وهي والحمد لله اليوم في أبهى حللها.
من سفح جبل قاسيون
معلّم اجيال الفن الاردنية، رفيق اللحام، ولدعام 1931 في حي الصالحية قرب الجسر الأبيض،... في سفح جبل قاسيون المطل على مدينة دمشق شمالا، الذي تعود تسميته إلى أيام الحروب الصليبية، عندما احتل الصليبيون فلسطين ومنها القدس الشريف.
حي الصالحية الذي ولد فيه، أسسته أسرة مقدسية عائلة اللحام التي هاجرت من فلسطين هربا من بطش الصليبيين.
قيل أن أسرة من فلسطين عائلة اللحام اسم يرتبط بالكثير من الأسر في بلاد الشام. وقيل ان اسرة تحمل هذا الاسم هاجرت من فلسطين إلى بلاد الشام"سوريا» إبان الحروب الصليبية. وقد حدثني الوالد ان لنا أقرباء في مدينة غزة، أحدهم كان ضمن حرس الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
أذكر أنني عندما كنت مديراً للجناح الأردني في معرض دمشق الدولي، في الستينيات تعرفت إلى أكثر من عشرين من أبناء العمومة والأقارب.
وراثة الأدب وحب الشعر
والدي كان رجلاً متديناً، أحب المطالعة، وحفظ القرآن الكريم وروائع الشعر العربي وكان يقتني العديد من الكتب الأدبية، منها بشكل خاص التراث العربي واحتفظ بالعديد من المخطوطات والروايات والكتب الشعبية منها «كليلة ودمنة» و«الف ليلة وليلة» ودواوين عديدة من الشعر وقد ورثت منه شيئاً من الأدب وحب الشعر.
تتلَّمذ على يد نجاة قصاب حسن
درستُ المراحل الأولى في دمشق في المدرسة الأيوبية، في الصالحية وأنهيت المرحلة الثانوية في بـ دار الصناعة والفنون وفيها تأثرت باستاذي نجاة قصاب حسن فقد كان محامياً ورساماً وخطاطاً، يكتب الشعر والزجل ويؤلف الأعمال المسرحية.
كان أستاذي نجاة كلما يحضر إلى عمان يستلم لوحات الفنانين الأردنيين وبرفقته أمية الزعيم لتضاف إلى لوحات فناني سوريا ولبنان ليشكلا معرض بلاد الشام الذي استمر لسنوات عديدة.
في طفولتي تأثرت بمعلم الرسم ميشيل كرشة، وكان له الفضل في غرس حب الفن في نفوس طلابه وأدين له بانعاش موهبتي.
كما كان للخطاط حلمي حبّاب الذي درس الخط لجميع الأردنيين الذين درسوا في كلية الفنون الجميلة بدمشق.
من الرسم المعماري إلى الجرافيك إلى الرسم الحر
قد تكون والدتي السبب الأول في حياتي لعشق الفن. كانت تتقن فن التطريز، وكنت أتأثر وأعجب بالرسوم التي كانت تقوم بتطريزها على ماكنة الخياطة «سنجر» حتى أن لفائف الخيطان و«الكراكر» الملونة كانت مثار إعجابي ومصدراً للعبي بحيث كنت أصنفها قرب بعضها بشغف وأقوم بترتيبها، وهذا ما غرس في نفسي عشق اللون منذ الصغر.
أضيف لذلك تأثري بما اشتهرت به أمي من حب لزراعة الأزهار. هذه الجماليات التي كنت أشاهدها من نباتات وأوراق خضراء إضافة لما وفره لي العالم العابق بالطيوب والألوان الساحرة من زخم بصري في اللون، وفتح لي قناة قادتني إلى الاهتمام بعد ذلك بالرسم. كانت بالنسبة لي دروساً بصرية أولى منذ الطفولة.
أما الرسم فبداياتي معه كانت في مدرسة ابتدائية على يد الأستاذ ميشيل كرشة، وفضله لا ينسى وهو أول سوري يدرس في فرنسا، وبعد عودته كنت أول طلابه، حيث علمني مبادئ الرسم. ومن ثم درست في دار الصناعة والفنون رسم معماري، وفيها تعلّمت الرسم المعماري وأتقنته، ولأنني محب للغة العربية تدرجت في اتقان الفنون من خط ورسم، وتخرجت من هذه المدرسة عام 1947.
وأيضاً لأستاذي البحيري في دمشق وهو مصري الجنسية فضل كبير في اكتشاف مواهبي وقدراتي الفنية، وميولي للرسم، وأذكر أنه كان يكلفني برسم الوسائل الإيضاحية للطلاب وتكبير الصور المستخدمة في عملية التعليم، وتلوين الخرائط، وما زالت في الذاكرة صورته الشخصية التي رسمتها له وكانت موضع إعجابه.
بعد تخرجي من مدرسة دار الصناعة في دمشق، التحقت بأسرتي في عمّان، ومنها انطلقت وبدأت مشواري الفني، حيث قدم إليها الوالد وعمل شريكاً للخطاط سامي نعمة، فاستفدت كثيراً من معلوماته وتذوقت جمال خطه ورسوماته، مما كان له أثر في مسيرتي الفنية.
بداية كنت لا أرسم أي شيء، وبعدها أصبحت أحاول تجربة رسم كل شيء، لكن أكثر ما رسمته في حياتي القدس والأنباط.
خطوط القدس والأنباط
لأنني أردني، في بلد الأنباط، أذكر أن أكثر شيء رسمته في حياتي هو القدس والأنباط. فالخط العربي خرج من عندنا، وعلينا أن نحافظ عليه. بالنسبة لي فان كل كلمة مخطوطة أو موجودة في متحف موجودة في بيتي.
لقد حاربت كثيراً بسبب إلغاء وزارة التربية والتعليم لحصة الخط العربي، وهذا أمر خاطئ. فأنا أعشق العربي والخط العربي. إضافة لسبب آخر، فأنا مولود في دمشق، بجانب قبر الشيخ محيي الدين ابن عربي، أستاذ الصوفية في العالم، والتركي جلال الدين الرومي من تلاميذ الشيخ محيي الدين. مئات المجلدات موجودة لديّ، كما ولدي كتب من والدي بخط اليد. وقتها كنا تحت حكم العثمانيين وكانوا يريدون تجديد آيات المسجد الأموي، فأرسلوا شخصاً اسمه «رسا»، ولدي قطعتان أو ثلاث من عمله، وهي عبارة عن صور وليست أصلية، فلوحاته لا تستطيع إضافة أي نقطة ولا حذف أي نقطة منها.
«رسا» قام بتعليم شخص آخر الخط العربي اسمه ممدوح، الذي قام بتعليم ثلاثة أشخاص على الخط العربي، وهم: بدوي ديراني، حلمي حباب، وسامي الأمير الذي تشارك مع والدي في محل مواد بناء. حلمي حباب كان يدرس في الجامعة الأردنية الفن، والثالث بدوي كان يجلس في سوق الحميدية ويقوم بالتخطيط على اللوحات، فكنت أراه عندما أذهب إلى هناك. لقد تعرّفت على هؤلاء الثلاثة، وتعلّمت الخط حتى أصبح عشقي.
كنت أحب ما أقوم به، وأستمتع جدا، لكنني لم أكن أدرك أنني سأصبح فناناً لولا جو الأسرة وتحديداً والدتي، واهتمام المعلمين الفنانين بي وتشجيعهم لموهبتي. كل ذلك زرع حب الفن في نفسي منذ نعومة أظافري. كذلك كان شأن تعرفي على فنانين كبار، من رسامين وخطاطين، وكل ذلك أيقظ الفنان في داخلي.
بصمات أكرم خلقي و ناظم الجعفري
أشتال الفن التي نبتت في وجداني كانت من أعمال الرسام السوري أكرم خلقي، والذي كان يكتب التمثيليات الإذاعية في إذاعة دمشق في الخمسينيات. وكذلك الفنان ناظم الجعفري الذي درّس في كلية الفنون بجامعة القاهرة، فقد كان له الفضل الكبير في رعاية وصقل المواهب والخبرات للدفعات الأولى من الفنانين والمدرسين الناجحين في سوريا وغيرها.
تدريس اللغة العربية والرسم
عملتُ مدرساً للرسم والرسم المعماري، في معهد النهضة العلمي، وسط البد، بالقرب من مطعم جبري.
وفي نفس المعهد دفعني تعلقي باللغة العربية تدريس كبار السن في نفس المعهد خلال الفترة المسائية، بهدف محو أميتهم.. في هذا المعهد تلقيت دورات في الطباعة والضرب على الآلة الكاتبة، وكان أول من أدخل تلك الآلة إلى الأردن مدير معهد النهضة كمال عودة، وكنت في النهضة رئيساً للجنة الثقافية.
وفي كلية الحسين كنت من أوائل المعلمين، حيث عملت في القسم التجاري، وكان مديرها راضي عبد الهادي، وما زالت في الذاكرة هيبته تتجلى في طابور الصباح، ومن هذا الرجل وإدارته وهيبة الزملاء المدرسين ازددت زاداً وخبرة.
نجوم في الذاكرة
أذكر من الزملاء أيامها، نجاتي بخاري، راسم كمال، عبد المحسن قطان، سليم عارات، رشيد زيد الكيلاني، الشيخ عبد العزيز الخياط، يعقوب هاشم، ومدير الكلية الذي استلم إدارتها بعد عبد الهادي شفيق بريك. وما زلت أذكر زيارة أمير دولة الكويت للمدرسة، الشيخ عبدالله السالم الصباح، فقد أرادت الحكومة أن تكون هذه المدرسة ريادية فجاء الشيخ الصباح ليطلع على هذه التجربة التربوية.
والعمل في وزارة الأشغال العامة
أثناء عملي في كلية الحسين في عام 1952، قرأت إعلاناً عن حاجة وزارة الأشغال العامة لرسَّامين معماريين، وكان مركز الوزارة مقابل وزارة العدل. وزير الأشغال كان شفيق ارشيدات، فتقدمت لفحص قبول، والطريف ذكره أن الوزارة دفعت مقدماً عن يوم الامتحان الذي قضيته فيها وكان المبلغ ديناراً واحداً. وقبلت وعملت في الوزارة براتب يومي مقداره دينار واحد أيضاً، وهكذا جمعت في حدث نادر بين وظيفتين حكوميتين: مُعلماً في كلية الحسين، ورساماً معمارياً في وزارة الأشغال العامة.
رفيق اللحام: إعادة اكتشاف جماليات المساحة الخضراء بين عمّان والقدس والشام
10:11 20-7-2020
آخر تعديل :
الاثنين