أ.د. جودت أحمد المساعيد
خبير المناهج وطرق التدريس
يعني تمايز التدريس أو تنويعه، ضرورة مراعاة المعلم لما بين الطلبة الموهوبين من فروق فردية أكاديمية، بحيث يعمل على تعديل أسلوب التدريس داخل الحجرة الدراسية، بشكلٍ يساعد كل طالب على تلبية احتياجاته أو إمكانياته الأكاديمية المتنوعة. فالطلبة الموهوبون الملتحقون بالمدارس يختلفون كثيراً في مستويات استعدادهم للتعلم، ويتفاوتون أكثر في اهتماماتهم وقدراتهم، مما يجعل التمايز في أساليب التدريس من ضرورات نجاح العملية التعليمية التعلمية برمتها.
وهنا، فإن على المعلم أن يأخذ في الحسبان جيداً كل هذه الأمور عند قيامه بعمليتي التخطيط والتنفيذ لعملية تدريس الموهوبين. فإذا ما تمت مراعاة عملية تنويع التدريس بشكلٍ دقيق، فإن الطلبة يتنافسون مع بعضهم ويعملون على تحدي الموضوعات المدرسية المختلفة بأريحيةٍ كبيرة، كما تتم مساعدة كل طالبٍ على النمو الأكاديمي حسب قدراته وإمكاناته الحقيقية. فتمايز التدريس للطلبة الموهوبين يمثل في الواقع الاستجابة السليمة لحاجات المتعلم وقدراته واهتماماته، وذلك في ضوء مبادئ مهمة لذلك التمايز مثل وجود ما يسمى بالمجموعات المرنة، والواجبات التي تتم تأديتها بدقةٍ متناهية، وإجراء التقييم والتعديل المستمرين من وقتٍ لآخر.
ومن أساسيات تمايز التدريس للطلبة الموهوبين، أنه يمكن للمعلم القيام بتعديلٍ واحدٍ أو أكثر من عناصر المنهج المدرسي كالمحتوى، والعملية التعليمية التعلمية، والنتاجات التي يقوم الطلبة بإنجازها، وذلك في ضوء خصائص الطالب كالاستعدادات، والاهتمامات، والأنشطة التعلمية المتنوعة، لا سيما عند توضيح أي موضوع في الوحدة الدراسية، وذلك عن طريق استخدام مجموعة من الاستراتيجيات الملائمة للتدريس. وهنا، فإنه ليس من المطلوب قيام المعلم بتمايز جميع عناصر المنهج بأية وسيلة كانت، بل إن تعديل عنصر المنهج المدرسي للطلبة الموهوبين يتم فقط عندما يرى ذلك المعلم بأن حاجة الطالب الموهوب تتطلب ذلك، وأن هناك قناعة لديه بالفائدة المرجوة التي تعود على الطالب نفسه من حيث فاعلية تعلمه وتقدمه نحو الأمام.
وتوجد في هذا الصدد مجموعة من المبادئ التي ينبغي على المعلم مراعاتها عند القيام بعملية تمايز التدريس مع الطلبة الموهوبين. كما أن فهم هذه المبادئ جيداً سوف يعمل على تسهيل دور المعلم ويؤدي إلى نجاح تعلم الطالب الموهوب داخل بيئةٍ صفيةٍ إيجابيةٍ وفعّالة. وتتمثل أهم هذه المبادئ في أن التمايز بين الطلبة داخل الحجرة الدراسية من حيث مستوياتهم وحاجاتهم يعتبر من الأمور الواجب مراعاة المرونة فيها. إذ على المعلمين والطلبة أن يتفهموا جيداً بأن الوقت، والمادة التعليمية، وأساليب التدريس المختلفة، وأنماط عمل المجموعات المتعددة، وطرق التعبير المتنوعة عن التعلم، وأساليب تقييم العملية التعليمية التعلمية، يمكن لها أن تستخدم بطرقٍ ووسائل متنوعةٍ من أجل تشجيع عملية نجاح الأنشطة الفردية والجماعية الطلابية.
كما يقوم التمايز السليم بين الطلبة داخل الحجرة الدراسية في ضوء حاجاتهم واهتماماتهم، على التمييز الفعال والمستمر لما يحتاجه المتعلم ذاته. ففي مثل هذا النوع من الصفوف الدراسية، تصبح الفروق الفردية للطلبة متوقعة، وتمثل الأساس الدقيق لتخطيط التدريس. وفي الوقت نفسه فإن العلاقة الوثيقة بين التقييم والتدريس ينبغي أن تبقى قوية. فالمعلومات المرتبطة بتقييم الطلبة تستخدم كقاعدةٍ مهمةٍ لاختيار المحتوى وطرائق التدريس الملائمة لهؤلاء الطلبة.
ويساعد تشكيل المجموعات المرنة الكثير من الطلبة، على المرور بالخبرات أو الفرص التعلمية الملائمة، وتنظيم الأعمال والأنشطة المتعددة. ففي المجموعات الصفية المرنة، يستطيع المعلم التخطيط بفاعليةٍ كبيرةٍ لأنشطة الطلبة الجماعية، وذلك ضمن ترتيبٍ دقيقٍ للمجموعات، بحيث يتم تحقيق العدد الأكبر من الأهداف التربوية المنشودة وفي وقتٍ قصيرٍ نسبياً. وقد يشمل ذلك أنشطة يشترك فيها طلبة الصف كله، أو تشكيل مجموعاتٍ صغيرةٍ منه، أو القيام بأنشطةٍ تعلميةٍ فردية. وقد يشترك الطلبة في مجموعات بناء على مستويات استعدادهم للتعامل مع محتوىً أكاديمي معين. وعلى أية حال، فإن تشكيل مجموعاتٍ طلابيةٍ قائمةٍ على مستويات الاستعداد يمثل عملاً مفيداً للغاية، إلا أنه يمكن الاعتماد على معيارٍ آخر لتشكيل المجموعات الطلابية يتمثل في مدى اهتمام هؤلاء الطلبة بالمحتوى الأكاديمي المطروح للنقاش من جهة، والأنشطة التعلمية المطلوبة من جهةٍ أخرى. وأخيراً، فإن الطلبة الذين لديهم مجموعة من الأنماط التعلمية المتشابهة، يمكن لهم أن يشتركوا في مجموعةٍ واحدةٍ لتسهيل عملية التعلم لهم. ومع ذلك، فإن على المعلم القيام بتشكيل مجموعاتٍ من الطلبة الموهوبين ممن لديهم الأنماط التعلمية المختلفة، وذلك لتحقيق مجموعةٍ من الأهداف التربوية المنشودة.
ويعمل الطلبة الموهوبون ضمن مجموعاتٍ متناسقةٍ، وذلك من أجل إنهاء أنشطةٍ تعلميةٍ مفيدةٍ قائمةٍ على ترتيبات مناسبة. ويؤكد هذا المبدأ على أن كل طالبٍ ينبغي أن يقوم بأداء واجباتٍ مثيرةٍ للاهتمام والمشاركة، وتعمل على توفير الفرص والوسائل المناسبة للوصول إلى الفهم المطلوب والمهارات المرغوب في اكتسابها. هذا إضافة إلى أنه ينبغي عند تطبيق التمايز في تدريس الطلبة الموهوبين، أن يشعر كل واحدٍ منهم بأنه يواجه التحديات الكثيرة معظم الوقت. ومن أجل ذلك، يتفاعل هؤلاء الطلبة مع المعلومات أو المهارات من أجل الوصول إلى الفهم المطلوب للأمور أو الأحداث أو المشكلات أو القضايا، ومن ثمّ الانتقال إلى خطوةٍ تاليةٍ لتعلم أشياء جديدة في مواقف تربوية أو حياتية مختلفة.
ويتعاون المعلمون وطلبتهم الموهوبون بشكلٍ دائم لإنجاح العملية التعليمية التعلمية، حيث يقوم المعلمون في التدريس المتمايز بالتعرف إلى طلبتهم جيداً، ودراسة قدراتهم واهتماماتهم وميولهم، مع تشجيعهم بشكلٍ مستمرٍ على مشاركتهم في عملية صنع القرارات داخل الحجرة الدراسية. كما أن عليهم تسهيل عملية التعلم لهؤلاء الطلبة في ضوء حاجاتهم وقدراتهم، في الوقت الذي يكون فيه الطلبة عبارة عن مشاركين حقيقيين لإنجاح الأنشطة الصفية، في ضوء استعداداتهم وما يفضلونه من موضوعات وقضايا، وبمقدار ما يتفاعلون مع عمليات صنع القرار المختلفة.
وتوجد في الوقت ذاته أربع طرقٍ مهمةٍ لتمايز التدريس لا بد من أخذها في الحسبان من جانب المعلم، وتتمثل الأولى في تنويع المحتوى أو الموضوعات المعرفية، بحيث يمكن وصف محتوى المنهج المراد تمايزه بأنه عبارة عن المعارف والمهارات والاتجاهات التي نريد للطلبة الموهوبين أن يتعلموه. فالطلبة الذين يبرهنون جيداً على استيعابهم التام لمفهوم من مفاهيم المحتوى المحددة لهم، يستطيعون قفز خطوة من خطوات التدريس المتمايز، بحيث ينتقلون إلى تطبيق ذلك المفهوم في الحياة اليومية. وتسمى هذه الإستراتيجية بتكثيف المنهج Curriculum Compacting، مع الاستفادة من مبدأ التسريع Acceleration، الذي يتطلب من المعلم توفير الظروف والإمكانيات التي تجعلهم يقطعون محتوى المادة الدراسية بدرجة أسرع.
أما عن الطريقة الثانية للتمايز فتتمثل في تنويع طرق التدريس والأنشطة التعلمية، وذلك بطرح الكثير من الأنشطة التعلمية واستراتيجيات التعلم والتعليم المختلفة في مستوياتها وصعوبتها ومدى ملاءمتها للموضوعات المطروحة للنقاش، بحيث توفر طرقاً وأساليب عديدة للطلبة الموهوبين للإلمام بالمفاهيم المعرفية الكثيرة وسبر أغوارها من أجل توظيفها في مواجهة القضايا أو المشكلات الدراسية والحياتية المتنوعة. ويلي ذلك طريقة تمايز النواتج، حيث ضرورة العمل على الاختلاف في صعوبة أو تعقيد الناتج النهائي الذي يسعى المعلم النشط للحصول عليه عن طريق برهنة الطلبة الموهوبين و على تمكنهم تماماً من المفاهيم المطروحة للدراسة.
وتبقى الطريقة الخامسة والأخيرة تتمثل في تمايز البيئة التعلمية التعليمية، كما طالب كل من دان ودان (Dunn & Dunn)، وذلك بحدوث تغييرات إيجابية في البيئة المدرسية التعلمية مثل مستويات الصوت والضوء، وترتيب المقاعد الخاصة بالطلبة، وتطبيق مبدأ التنويع الكبير في استراتيجيات التدريس، حيث يؤدي ذلك إلى زيادة المنافسة بين الطلبة الموهوبين أنفسهم.