يركز المجتمع والمسؤولون على الفساد المالي، سواء اختلاس أو عطاءات أو تهرب من حقوق الخزينة، ويذكرون ان هناك فسادا من خلال التهريب عبر الحدود، والتلاعب بالبيانات الضريبية والجمركية، ولكن هناك تحفظا أو الحديث باستحياء عن فساد مسكوت عنه، أشد قسوة على المواطن والموظف، وهو التلاعب بالوظائف والتعيينات خارج الادوار في ديوان الخدمة بعقود واستشارات أو في الوظائف العليا، وهناك وزارات ومؤسسات مستقلة لفئات محددة لا تخضع لأسس التعيين، وإن خضعت تبقى صورية، هذا عدا عن تفصيل وظائف لأشخاص، واعادة من تقاعدوا للخدمة مجددا بمسميات مستحدثة أو لأماكن مختلفة.
مثلما تجهد الحكومة والهيئات الرقابية في البحث عن الفساد المالي، يجب ان تقف عند الفساد الاداري في التنقلات والتعيينات، واتباع الحاكمية الرشيدة الحقيقية، فما يصاغ من حجج عند كل تعيين أو نقل في غير محله، تدحضه الحقائق على أرض الواقع، والكل يعرف أن الواسطة مجرمة قانونا، لكنها تمارس تحت مسمى هكذا هي ثقافة المجتمع، وهناك أوامر من فوق، أو اعتبارات مناطقية وعشائرية، وكسب للود وترضية، دون أدنى شعور بأن هذه التصرفات تقتل روح الانتماء للوظيفة العامة على الأقل.
موظفون انتظروا الترقية كحق، ليصلوا لإدارة المؤسسات التي أفنوا فيها زهرة عمرهم ليفاجأوا بمن يحصد كرسي الادارة دون أدنى خبرة في مجال عملها، وما على الموظفين إلا الترحيب به، وما على الحكومة التالية إلا أن تأتي بأخر يسير وفق التيار والنهج الذي يرسم له، فيبدأ باجراء تنقلات دون أسس واضحة تثير تذمرا أكثر من الرضا، ولهذا نقول ان هناك ترهلا اداريا، لأننا في الاصل لم نضع الرجل المناسب في المكان المناسب سواء اكان تعيينا أو في التنقلات.
الفساد الإداري أصعب على الدولة من المالي، لأن الأول يقود للثاني، وقد يكون نتاجه في جزئيات تبدأ من سوء الخدمات وتراجعها، ثم تنفيذ أوامر أو اجراءات او موافقات تتسبب في الفساد المالي او ضياع المال العام هدرا واختلاسا وسوء تخطيط.
القواعد الادارية السليمة يجب ان تتحرى الحاكمية الرشيدة التي نقرأها في المناسبات ثم نطوي الصفحة وكأن شيئا لم يكن فنعود للواسطة والمحسوبية ونسبها في الوقت نفسه.