محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

الهجوم من التاريخ.. وإحياء فلسطين الكنعانية

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
د. منذر الحوارات قد تكون احداث التاريخ قاسية حين تذكرها، لكن ان يكون التاريخ قاسياً بذاته ويستمر بتلك القسوة رغم مرور القرون والألفيات فذلك معهود فقط حينما تُستخدم احداثه وتؤدلج لغايات الحاضر، ليس هذا فحسب بل يتم استخدام حيثيات ذلك التاريخ بالتصرف حسب الرغبة والطموح السياسي بحيث تُغير وتبدل بدون ان يرجف جفن لهم، من هم؟ ليس الامر بتلك الصعوبة من يطلقون على انفسهم بنو اسرائيل، فقد خلقوا تاريخاً لا تاريخي وأحلوه مكان التاريخ الحقيقي، صنعوا اسرائيل وألغوا فلسطين الكنعانية، اخرجوا هؤلاء من التاريخ ووضعوا انفسهم مكانهم والان يريدون اخراجهم من المستقبل ووضع انفسهم مكانهم، والعالم والعلم يغضان الطرف عن جهل او عن علم، الإجابة قد لا تبدو صعبة، ولكن ما اصل الرواية وما عناصر تفنيدها؟ سؤال حائر ساقتني اقداري الحسنة ان اطلع على كتاب واحد من ألمع الآثاريين العرب الدكتور خزعل الماجدي الذي يأسر منطقه العلمي كل من يتابعه، لما يمتلك من تجرد وسعة وغزارة في قراءة احداث التاريخ، وسيكون جزء من الكلام القادم مستخلصاً من مؤلفاته وجوهر فكرته ان التوراة ورواياتها كتبت في مرحلة لاحقة جداً وليس من دلائل آثارية تؤكد صحة ما ورد فيها اللهم الا في بعض الشطط هنا وهناك.

فقد قسم الرواية التوراتية إلى عشر مراحل وسرد ماذا قالت التوراة، وما هي الحقيقة التي اثبتتها الاثار فهو يؤكد اولاً ان لا اثر تاريخياً حقيقيا لأي من انبياء بني اسرائيل لا في فلسطين او غير فلسطين، بل يذهب الى ابعد من ذلك ان التوراة حولت عشرة ملوك سومريين الى انبياء لبني اسرائيل، ويأتي على ذكر خروج بني اسرائيل من مصر وتيههم في صحراء سيناء اربعين عاما وغزوهم فلسطين والسيطرة عليها، ويفترض ان هذه الاحداث كانت في ١٢٥٠ قبل الميلاد، هذه الفترة يقول عنها اسرائيل فلنشتاين لقد نقبنا عشر سنوات شبراً شبراً في صحراء سيناء ولم نجد قطعة فخار تدل عليهم حتى ما يعرف بجبل نبو فقد عُرف بعد بناء كاتدرائية مسيحية هناك اما الغزو فالآثاريون يقولوا فتشنا في الفترة بين ١٢٥٠الى ١٢٠٠ قبل الميلاد في كل فلسطين ولم يُعثر على اي اثر لغزو او معارك تدل عليهم حتى اسوار حيفا التي تقول الرواية أنهم هدموها لم يكن لها اي أثر أو وجود في ذلك التاريخ.

اما فترة القضاة وتوحيد المملكة ما بين العام ١٠٣٠-١٠٢٠قبل الميلاد، وتقول الرواية نصب شاؤول ملكاً وألتحق به داوود من قبيلة يهوذا من اورشليم (واسم اورشليم هو اسم كنعاني وليس عبري او يهودي مطلقاً) ووقفا ضد الفلسطينيين (طبعاً هذه مغالطة فأسم فلسطين لم يظهر إلا في العصر البيزنطي لاحقاً) لكن ماذا تقول الاثار، لاوجود بالمطلق لهذه المعارك ولادعائهم انهم سيطروا على فلسطين (كنعان) ويقول ثنكلشتاين لم نعثر في هذه الفترة على اي آثار تدل على شيء من ذلك، اذاً حتى الان لم نعثر على دليل واحد يثبت صدق ما تذهب اليه التوراة.

اما مرحلة الملك داوود وسليمان حيث تبدأ جعجعة التوراة حسب الماجدي، ويُفترض ان هذه المملكة ممتدة من سيناء الى الفرات، وهي بهذا المعنى محاطة بالامبراطورية المصرية والاشورية، حيث لا ذكر بتاتاً لمملكة من هذا القبيل في الحوليات الاشورية او الحفريات المصرية، فهل الاثار التي حفظت الاشوريين والمصرين وباحت عن امجادهم نسيت فقط الاسرائيليين، وتقول الرواية ايضاً ان داوود توفي وتولى سليمان المملكة وبنى الهيكل، والاثاريون عندما دققوا في هذه المرحلة لم يجدوا أثراً لأي هيكل بل ان كل ما وجدوه في هذه المرحلة في كل بلاد الشام، ان كل الاوصاف تنطبق على معابد الخصب السورية وعددها عشرون معبدا ليس لأي منها علاقة بهيكل سليمان، حتى قصة الزواج من بلقيس فالتاريخ الآثاري يقول انها ذكرت في القرن الرابع الميلادي في سبأ وذكرت عرضياً فهل يعقل ان سليمان تزوجها ولم تلد بعد ام ان الحديث عن بلقيس اخرى.

مرحلة انقسام المملكة فعندما توفي سليمان لم تتفق القبائل الشمالية على ابنه رحبعام وانقسمت المملكة الى مملكة اسرائيل وعاصمتها السامرة ويهوذا اورشليم، آثارياً هذه الفترة بالذات هي فترة الاشوريين حيث لا يضاهيهم شعب في تدوين الاحداث، فالحوليات الاشورية كانت تُكتب سنة بسنة ولم تترك شاردة ولا واردة الا دونتها، لم تذكر اي شيء يتعلق بما ذكرته التوراة مطلقاً، حتى سبي الملك سرجون السامرة فهي تعرف كمدينة كنعانية فلسطينية فيها آلهة متعددة ولا يوجد اي شيء يدل على انها مملكة يهودية فالكنعانيون لم يؤسسوا دولة واحدة مثل الاشورييين والبابليين والمصريين انما عُرفوا بدول المدينة كل مدينة دولة، اما الفضاء العام في منطقة المتوسط فهو كنعاني، اللغة والدين كلها كنعانية ولم يوجد شيء يدل على انها يهودية.

حتى الاسم إسرائيل فالرواية التوراتية تقول أن يعقوب صارع الرب فصرعه وبالتالي سمي باسم الفعل يصرع يسر والرب بمعنى إيل اسرائيل، اما الأثريون فيقولون ان إسرا هو الاسم الكنعاني لزوجة الإله، وزوجته عشيرا (ايل وهو الإله الأعظم) فدمجا وكونا إسرائيل اذاً حتى الاسم هو كنعاني ومملكة السامرة دمرت من قبل الاشوريين في العام ٧٢١ق م ولم يرد أي ذكر لشيء يتعلق بيهود أو أي كتابة عبرية في هذه المدينة، حتى في فترة نبوخذ نصر فلا وجود لأي ذكر لا ليهود او لهيكل لا رسماً ولا كتابة في المدونات البابلية، طبعاً كانت عادة استبدال اهالي المدن المحتلة بترحيل اهلها الاصليين واستبدالهم بأخرين يؤتى بهم من نفس الإمبراطورية المحتلة أمرشائع في تلك المرحلة من التاريخ.

في القسم السابع والحديث عن اهل السبي وماذا حصل بعد سقوط الإمبراطورية الكلدانية البابلية على يد الفرس، حيث اطلق كورش سراحهم ولم يعودوا كلهم بل عاد نصفهم وإنهم أعادوا بناء الهيكل عند وصولهم والأثار تقول انه لا وجود اطلاقاً لمثل هذا الكلام، لكن في هذه الفترة حيث سيطرت فارس فقد اوجدت نظاما اداريا جديد وقررت تسمية المنطقة يهود، وظهر في بلاد الرافدين ما عرف بمدونات عزرا الكاتب حيث كتب لأول مرة سفر الشريعة لحفظ الطقوس.

في الفترة الهلينستية ٣٢٣-٦٤ق م بطليموس ظهرت الترجمة السبعينية فما قصتها، في تلك المرحلة اراد بطليموس ان يهليين منطقة سوريا ومن ضمنها كنعان فرفضت مجموعة من السكان تلك الرغبة الإمبرطورية فقاوموا الهلينة، بحجة ان لهم عقائدهم الخاصة، وطلب الإمبراطور احضارهم مع مدونات عقائدهم، ولم يجد احد منهم كتاباً اسمه التوراة في هذه الفترة اي ٣٢٠ ق م، فقام هؤلاء بجمع كل ما لديهم من قصص وأشعار وتقاليد ومثلوا فيها امام بطليموس الذي طلب منهم جمعها وترجمتها الى اليونانية، وهنا ظهر اول كتاب جامع للنصوص باليونانية وترجم لاحقاً الى لغة أولئك الناس والتي لم يثبت بعد انها كانت العبرية، وهنا بدء تلمس ملامح تقترب من التوراة.

وأول حقيقة تاريخية مؤرخة هي ظهور دولة سمعان المكابي وهي يهودية، لكن الغريب ان المُؤرخ الوحيد لا تعترف به المؤسسة اليهودية، فسفر المكابيين يعتبر غير شرعي بالنسبة لليهود، اما الهيكل المكابي فقد أسس على فكرة بسيطة هي معبد شالم وهي الآلهة العبرية التي تدل على غروب الشمس والاسم قريب جداً من سليمان فتم ربطه، وهنا أُسست الكذبة على القصة الحقيقية الوحيدة وصودر التاريخ منذ هنا، حتى ان الوثائق لم تعتبرهم يهودا اذ كانوا يسمون بأهل تورى.

كلمة يهودي كدين اطلقت عليهم لأول مرة في القرن الاول الميلادي من قبل بوليس، اما في العصر الروماني البيزنطي لاحقاً فكانت طبيعة الصدام مع المكونات العرقية والدينية تتأسس على مقدار الولاء للإمبراطور وليس على اساس عقيدة شعوب الإمبراطورية، فهم مثل الاشوريين لم يحاسبوا الشعوب على معتقداتها، وهم أرادوا من هؤلاء الموجودين حصراً في منطقة يهوذا الولاء للملك وليس اي شيء اخر، وهم لم يقدموا الولاء، فحصل صدام انتهى بالحرب في العام ٦٦ قبل الميلاد، الى الن وصلنا للعام ٧٠ ميلادي حينما دخل الجيش الروماني ودمر المعبد المكابي وأخذ محتوياته، وفيما بعد حصل صدام آخر أخليت بموجبه المدينة من هؤلاء بالكامل وتم تغيير اسمها من أورشليم الى ايليا، والبيزنطيون هم من اطلقو اسم فلسطين وقسموها الى ثلاثة اقسام: فلسطين الاولى وكانت عاصمتها إيليا، وفلسطين الثانية وعاصمتها اسكيفابوليس، وفلسطين الثالثة في صحراء النقب وعاصمتها البترا.

اما البلستو او الفلست او شعوب البحر والذين هاجموا مصر اولاً الى ان عقدت معهم صلحاً توجهوا بعدها الى سواحل المتوسط حيث الكنعانيين ودخلوا خمسا من مدن الساحل، وكانت مدة بقائهم لا تزيد عن قرنين، بعدها ذابوا في الفضاء الكنعاني الواسع وأصبحوا جزءا من نسيجية ومكوناته وهذ يدحض الرواية الاسرائيلية التي تقول ان هؤلاء الفلسطينيين جاءوا من البحر فليعودوا اليه، متناسين ان هذه البلاد كانت تسمى ارض كنعان الى ان قسمها الرومان وأطلقوا عليها اسم فلسطين، ويذكر الدكتور الماجدي ان هنالك اكثر من ٤٨ نبيا ذكرهم اليهود ليس لهم اي وجود تاريخي في الحفريات الاثرية وهذا الامر ينطبق على ٥٠ ملكا اخرين فيما اطلق عليه اسرائيل ويهودا الشمالية والجنوبية من شاؤول الى نحميا ليس لهم اي أثر مكتوب او وجود مادي وإنما اقتصر ذكرهم على التوراة فقط في حين ان ملوكاً اخرين غيرهم وجودا في تلك الفترة، حيث تزخر الاثار بموجوداتهم وبقايا ممالكهم فهل تآمرت الاثار على اليهود؟

هنا انهي الاقتباسات من الاستاذ الدكتور خزعل الماجدي وأعود الى اصل الحكاية، اذا كان هؤلاء استطاعوا ان يغيروا التاريخ بهذه الحرفية العالية فبدون شك انهم قرأوه وبتمعن واستهلكوا ربما عقودا ان لم اقل قرونا، فمنذ صحوة القوميات بعد الثورة الصناعية ادركوا هدفهم ورسموا له بمنتهى الدقة مستغلين غياب اهل المنطقة الاصليين عن الوعي بسبب سباتهم العميق وانقطاعهم عن مسيرة التحضر وكمونهم قرونا عديدة في غياب قسري بسبب الجهل وحكم الاخرين، والسبب الاخر ايضاً جهل الشعوب والامم الاخرى التي بدأت مسيرة الحضارة بتأريخ الشعوب الاخرى، وحينما بدأت بمحاولة اكتشاف الامم والشعوب الاخرى كان ذلك لغايات مصلحية، سواء ثروات التحف العاج، الى ما هنالك من امور، وفي خضم ذلك الغياب الثنائي كان من السهل لأي كان يمتلك الارادة والغاية ان يوجه مسار قراءة الماضي وفق مصالح معينة، وهذا ما حصل بالفعل فهذا التاريخ كما رأينا فقير باليهود ومنجزاتهم الا في بعض المحطات هنا او هناك، وكان غنياً ومتخماً بالغنى بتاريخ الكنعانيين والذين ملأوه في اغلب مراحله، هؤلاء تم تفريغهم من محتوى ذلك التاريخ بحيث أُخفي وجودهم وتم ملء مكانهم الذي شغر برواية ليس لها اي اساس حقيقي وبأناس لم يكونوا ربما الا على هامش ذلك الوجود، وهم حينما فعلوا ذلك بوعي فتفريغ التاريخ من محتواه الحقيقي يعني بنفس الوقت صناعة مستقبل يملأه هذا المحتوى المزيف وهنا مربط الحكاية.

إذاً لن يتم إعادة ملء المستقبل بالمحتوى الحقيقي إلا إذا تم محو التزييف الذي كان حتى يتسنى اعادة الرواية إلى نقطة انطلاق تستند الى وقائع يثبتها التاريخ والاركولوجيا، يجب ان يُعاد تفريغ التاريخ من محتواه المزيف، هذا لن يتم إلا بالبدء فوراً بالتخلي عن الثوابت التي صنعتها الرواية الصهيونية في العقل الغربي وكذلك المشرقي والتي تبنياها كمسلمات، كل هذا لن يكون إلا بإعادة احياء منظومة متكاملة من الافعال البحثية المستندة الى نتائج الأستقصاءات الأثارية فقط والإلغاء التام لفكرة ان التوراة او الكتب اليهودية تشكل مرجعاً تاريخياً، طبعاً المجتمع العلمي جاهز لذلك بل والعديد من علماء الاثار ومنهم يهود بدأوا بذلك وقطعوا شوطاً واسعاً في بحوثهم، لكن الملفت ان اغلب العرب وحتى الفلسطينيين منهم لا تزال الرواية التوراتية والصهيونية هي مصدرهم الوحيد في معلوماتهم عن فلسطين، باعتقادي أن أصل الصراع يجب ان يعود إلى مبدأ، فقد بدأ من التاريخ فليعد اليه ولنبدأ بالهجوم بإعادة إحياء فلسطين الكنعانية.
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress