في كتاب «الغرفة التي وقع فيها الحدث» لجون بولتن تفاصيل مثيرة عما يدور في البيت الأبيض من فوضى لم يسبق إدارة ترامب لها أحد، وقد يكون هذا السرد المفصل، الشبيه بالمذكرات اليومية، هو سبب محاولات البيت الأبيض المتكررة لمنع نشر الكتاب أو تأجيله، فبولتن الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لمدة ١٧ شهرًا بين عامي ٢٠١٧ و ٢٠١٨، سرد الكثير من الحوادث مثل أزمة أوكرانيا -التي خصص لها الفصل الأخير من الكتاب- وانتهت الى محاولة عزل الرئيس، وقد اتهم بولتن الكونغرس بسوء إدارة ملفات العزل لحساب المصالح الحزبية الضيقة التي لم تتح المجال ليتوسع التحقيق فيشمل طلب ترامب من الرئيس الصيني مساعدته في كسب الانتخابات ومفاوضات البيت الأبيض مع اردوغان حول قضية مصرف «خلق» وغيرها من الملفات المهمة.
كما أن بولتن لم يغفل التصريح عن ضحالة ثقافة الرئيس الأميركي عندما ذكر سؤاله لرئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي عن حقيقة امتلاك المملكة المتحدة للرؤوس النووية، أو ظنه أن فليندا ليست الا مدينة روسية، ناهيك عن جهلة المطلق بأبجديات السياسية الدولية وتحالفاتها وتاريخها، وظهور ذلك جليا في انتقادات ترامب لحلف الناتو ومساهمة الدول الأوروبية في ميزانيته وسحبه القوات الاميركية المتواجدة في سوريا وألمانيا.
بولتن لم يهاجم ترمب فقط، بل انتقد بفجاجة جميس ماتيس وزير الدفاع السابق واصفًا إياه بالخمول والليبرالية، وانتقد مايك بومبيو وزير الخارجية بسبب رضوخه الكامل لتوجيهات الادارة التي تفتقر الي الاستراتيجية والنظرة الشاملة، وأستهزأ بكوشنير الذي حتى نتانياهو لا يثق بقدرته على فهم أو تحقيق السلام في الشرق الأوسط.
بولتن الجمهوري الذي رفض الادلاء بشهادته أثناء جلسات العزل، والمحسوب على المحافظين الجدد، يؤمن بنموذج الدولة القوية على طريقة هوبز، القادرة بالقوة المفرطة على ردع الخصوم والقضاء على أي معارضة أو منافسة دولية، فهو من كان خلف انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الحد من المقذوفات النووية قصيرة ومتوسطة المدى مع روسيا، واعتبار ايران تهديدًا مباشرًا للأمن الأميركي، وقبل ذلك غزو العراق تحت إدارة بوش الابن، وغيرها من الملفات التي لا يملك بولتن لها حلا سوى القاء المزيد من القنابل.
كتاب بولتن قد لا يغير سير الانتخابات القادمة أو يقلل من دعم الحزب الجمهوري المطلق لترامب، لكنه يفتح شباكًا على تفكير من وصفهم الكتاب (بالراشدين) في الإدارة والسياسية الاميركية الخارجية، التي ماتزال عالقة مع راشديها في ثنائيات الحرب الباردة (اما معنا أو علينا)، والمصرة على وجود العدو الشرير المسطح فلا فرق بين إيران ومرشدها وبين الصين وحزبها الشيوعي وبين صدام حسين وأسلحة دماره المتخيلة، والتي لا تعي تراجع قوة الولايات المتحدة ومصاعبها الاقتصادية وانكفاءها على نفسها مع بروز الكثير من اللاعبين الدوليين الجدد، أما المفاجأة الحقيقة في الكتاب فهي أن كل شيء حدث فعلا في البيت الأبيض الا رسم سياسة واضحة للتعامل مع اية أزمة حصلت في السنوات السابقة.