ملأ النسق الثقافي أجواء النقد الأدبي العربي، وأخذ حيّزاً غير قليل في مؤلفات النقاد العرب، مع أن منها ما يخلط بين التحليل الثقافي وبين التحليل الأدبي للنصوص، رغم أن بينهما فوارق كثيرة. ولا أدّعي إحلالَ ذاك مكان هذا، فالنقد، مهما يكن نوعه وهدفه وأدواته، لا يموت، ولكنه قد يزاحم، أو يتعاون؛ ليزيل غموض النصوص ويكشف عن جمالياتها وثقافاتها وتنوُّع أساليبها.. إلخ.
إن النقد الثقافي لا ينظر إلى النص الأدبي باعتباره نموذجاً أدبياً منطوياً على جماليات لغوية، وأساليب شعرية، ومحمولات بلاغية... إنما ينظر له على أنه واقعة ثقافية، تنطوي على شيفرات ذات ارتباط وثيق بالثقافة، ولكنْ ليست الثقافة بمعناها المعهود (ما يحصله الإنسان من معارف)، بل الثقافة التي تُمثّل رؤية الإنسان تجاه الحياة والمكان والزمان.. إلخ. وليتمكّن هذا النقد من تحقيق مسعاه، فإنه يعتمد على تأويل ظاهر اللغة، واستبطان مخبوءاتها، شريطة أن يعيَ القارئ الثقافي، أثناء تأويله لأبعاد النص، نوع الثقافة التي سيكشف عنها؛ كي يُعد نقدُه نقداً ثقافياً.
بناء على ذلك يمكن القول إن النسق الثقافي رؤية، أو ثقافة، أو موقف، أو نقد، أو رفض، أو طبيعة تفكير، ترتد إلى خلفيات دينية أو اجتماعية أو معرفية... تختبئ خلف ظاهر اللغة، ويكشف عنها القارئ عبْر التأويل الصحيح؛ لأن النسق لا يكون سطحياً، ولا يلقي بنفسه سهلاً على فهم القارئ، وليس بالضرورة أن يكون جزءاً من تفكير المبدع، إنما قد يتناقض مع رؤاه، مثلما أن ما تواريه النصوص في باطنها قد يكون مختلفاً عما هو في ظاهرها. كما أنه قد يتقلّب بين الثقافي الجمالي والثقافي القبحي؛ فليس من المعقول أن تكون أنساقنا قبحية وخالية من الجماليات، أو أن تكون جمالية ومُبرَّأة من القبحيات. لكنّها ليست القبحيات التي أشار إليها الغذامي في كتابه «النقد الثقافي».
بيد أن النظرة الموضوعية إلى أدبنا، تدعونا إلى الاعتراف بأنه يتخلله المادي نظير الإنساني، ويرد فيه التكسب مقابل البذل والعطاء، وينطوي على الغدر رغم انطوائه على صور متعددة من الوفاء، ويعبّر عن الانتهازي مع تعبيره عن عدد لا حصر له من حالات النخوة والشهامة والمروءة، وتبدو فيه الرؤية البائسة كما تبدو فيه رؤى تعلي من قيمة الحياة والحُب واحترام الآخر.. والأمثلة على ذلك متعددة، لا يمكن حصرها.
لإثبات ذلك سأتخذ من الكرم مثالاً على هذا التوجه، فهو فعل قارّ ومتجذر في طبيعة الإنسان العربي، ومتكرر في نصوصنا الشعرية، حتى إن بعض الدارسين توهّم فاعتبره نسقاً ثقافياً أينما لَقِيه في النصوص. فلو ألقينا نظرة على قول الشاعر الأندلسي الأعمى التطيلي:
جوادٌ بالدّيار وما حوتْه
ولو أنَّ الزمانَ بها ضنينُ
قدِ اهتزّت بأنْعُمِك الليالي
كما تهتزّ بالثمر الغصونُ
لوجدنا أنه يتحدث عن الكرم، دون أن يشكل نسقاً ثقافياً؛ لأنه حديث بسيط وظاهر، ولا تبدو خلاله أيّ وجهة نظر تجاه الكرم، وهو بالنسبة للشاعر صفة من صفات الممدوح، وليس رؤية عميقة تعبّر عن موقف التطيلي من هذه الصفة؛ لذلك، ومع أن هذين البيتين مكتنزان بالجماليات الدلالية، إلا النقد الثقافي لا يتوجه لمثلهما، وهنا يبدو جديد هذا النقد، الذي لا ينظر للأشياء بحسب ما تبدو في ظاهر الخطاب، بل بحسب طبيعة تكوُّنها الثقافي، ودرجة تأويلها ضمن هذا الخطاب.
حتى يتضح ذلك أكثر، وكي لا يبقى النسق الثقافي، بهذا الطرح، حديثاً نظرياً وتأويلاً منفصلاً عن سياقه، لا بد من تناوله في نموذج يجعل وجوده يقيناً في النص الشعري، لا سيما وأنّ تحليله إجرائياً، يربطه بسياقه التاريخي والنصي، ويمنحه القدرة على الإقناع والمتعة. وهذا ما حملني على اختيار نموذج شعري يتحدث عن الكرم، وتحليله في إطار طروحات النقد الثقافي، ومحاولة استخراج أنساقه، وفق تأويل يعتمد بالدرجة الأولى على القرائن النصية، وقدرات القارئ، وسياقات النص.
يقول إسحاق الموصلي:
وآمرةٍ بالبخل قلت لها: أقصري
فليس إلى ما تأمرين سبيلُ
أرى الناسَ خلّان الجواد ولا أرى
بخيلاً له حتى الممات خليلُ
وإني رأيت البخل يزري بأهله
فأكرمت نفسي أن يقال: بخيلُ
ومن خير حالات الفتى لو علمته
إذا نال خيراً أن يكون ينيلُ
فِعالي فِعالُ المكثرين تجمّلاً
ومالي كما قد تعلمين قليلُ
وكيف أخاف الفقرَ أو أُحرمُ الغنى
ورأيُ أمير المؤمنين جميلُ.
تبدأ النسقية الثقافية في هذه الأبيات من اللحظة التي يتصادم فيها الرجل والمرأة، إذ يبدو الاختلاف بينهما من خلال تباين وجهات النظر بين المرأة الآمرة بالبخل، وهي تعبّر عن ثقافة لا تقبل بثقافة إنسان يسعى كريماً وقادراً على صنع الجميل. وثقافة الشاعر، الذي رفض بصريح العبارة (أقصري) ما تسعى له المرأة (فليس إلى ما تأمرين سبيل)، ونراه يبني تصوراً جمالياً للعلاقات الاجتماعية، ويقوم بفعل إنساني كبير تجاه الآخرين، بل إن وجوده يتجلى بأفضل حالاته ضمن هذا الفعل:
«ومن خير حالات الفتى لو علمته
إذا نال خيراً أن يكون ينيلُ».
ويتسع الفارق في رؤية كلّ منهما عند المقارنة بين حال الكريم وحال البخيل، فـ «الناس خلّان الجواد»، أمّا البخيل فليس» له حتى الممات خليلُ»، وهذا مرتبط بطبيعة الخصب الناتج عن الكرم، والجفاف الناتج عن البخل، ويعبّر عن مجتمع الكرام القائم على الود وجميل الخِلال. كما أن الكرم يعلي من شأن الإنسان ويحفظ كرامته، والبخل «يزري بأهله»؛ لذلك ينأى الشاعر عنه صوناً لذاته «فأكرمت نفسي أن يقال: بخيلُ».
وعلى ذلك لا يمكن أن تكون أفعال الشاعر/ الكريم إلا إيجابية؛ لأنها نابعة من تفكير إنساني عميق، ومرتبطة بالخصب «المكثرين/ الإكثار»، فضلاً عن ارتباطها بالجمال «تجمّلاً». وهذا ما يبرّر تحيّز معجم الشاعر إلى مفردات تحمل دلالات التفاؤل والجمال، نحو: خليل، جميل، تجمّلاً، خيراً، ينيل، نال.
وتبدو هذه الرؤية في ذروة جمالها عندما لايرتبط فعل الكريم بقلة المال «ومالي كما قد تعلمين قليل»، وعندما يتوفّر اطمئنان تام إلى أنّ المجتمع الذي يسود فيه الكرماء حَسَنٌ تعامله، وليس بالضرورة، لديه، أن يكون الكريم غنياً كي يكون فاعلاً وإيجابياً، وهذه رؤية يؤكدها سياق المؤسسة الاجتماعية خارج الفن، إذ ترى ما يقدمه الكريم كافياً وإن قَلَّ، وتلتمسله العذر، فالجود -بوجهة نظرها- من الموجود.
مع كل ذلك تبقى هذه الوجهة الجمالية في تفسير النسق الثقافي تجاه الكرم مرحلة أولية في الفهم والتحليل، ذلك أن الشاعر ترك مساحة لتأويل النسق وإعادة تشكيله. ويمثّل البيت الأخير انطلاقة جيدة نحو هذا التشكُّل النسقي الجديد:
"وكيف أخاف الفقرَ أو أُحرمُ الغنى
ورأيُ أمير المؤمنين جميلُ».
وهنا يمكن طرح السؤال التالي: ما علاقة الحديث عن أمير المؤمنين بالحديث الرؤيوي الإشهاري عن جماليات الكرم؟
إن توجيه الخطاب للأمير يعني أن الخطاب أصبح مدحياً تكسُّبياً، قد يؤدي إلى تغيير رؤية الشاعر الجمالية التي جلّاها للكرم، وقد يكشف عن غاية مختلفة أو متناقضة عن الغاية الإنسانية التي تبناها في صورة مجتمع المثال والحس الجميل.
يؤكد ذلك أنه حمّل الاستفهام: كيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى؟ دلالة الإنكار والتعجب معاً، وكأنه يقول: ليس معقولاً أن أُصاب بالفقر، وليس ممكنا أن أُحرم الغنى ما دامت أعطيات أمير المؤمنين كثيرة، خاصة أنه أكسَبَ المفردات معاني مادية، إذ جعل:
رأي = عطايا
جميل = كثير
لأن معناهما الحقيقي لا يتماشى مع قدرتهما على منع الفقر وإحداث الغنى. وهذا يثبت الغاية الحقيقية «السالبة» من الصورة الجمالية التي شكّلها للكرم، ويبيّن الهدف غير النزيه من السمات الإنسانية التي نسبها لذاته المعطاءة، من حيث أصبحت «صورة الكرم والسمات الإنسانية» أدوات وأسباباً لإدرار عطف الممدوح، وإثارة نوازعه الإنسانية نحو من يتظاهر بحب الآخرين، ويزعم أنّ فعاله الكثيرة لأجلهم وإن كان ماله قليلاً.
إنه يخدع، ويتلاعب، ويراوغ لإيصال رغبته، وتحقيق غايته، بيد أن المرأة التي أثار خلافاً معها لم تظهر إلا في بداية النص، ثم غابت بشكل كلي، وكأنه استعملها نسقاً ثقافياً/ وسيلة ليبديَ من خلالها الجمالي الثقافي، لصالح الوصول إلى الممدوح ومِنَحه. وهذا يكشف عن تفكير مادي، وتوجه سلبي لم يتردّد، لأجله، عن قلْب الحقائق، وخلخلة قِيَم المرأة، التي شوّه سمعتها، ولطخ كرامتها، عندما جعلها في عداد البخلاء، الذين أكرم نفسه أن يكون منهم، حتى إن بعض العبارات والمفردات أخذت إشارات نسقية مضمرة، تتماشى مع هذا المعنى، مثل:
- «إذا نال خيراً أن يكون ينيلُ»، وهي عبارة مراوغة، تقنع الأمير بأن الشاعر يأخذ ليعطي.
- «فِعالي فِعالُ المكثرين تجمّلاً»، وهي عبارة نسقية تساعد على تمرير حيلته، من باب أن تجمّلاً قد تعني: تصنعاً وكذباً.
- «ومالي كما قد تعلمين قليلُ»، وهي شيفرة نسقية تُشعر الأمير بمدىفقره وعوزه، وحاجته إلى المال.
لقد رَكِبَ الشاعرُ موجة الكذب لإقناع الممدوح، والحصول على أعطياته، وأخضع في سبيل ذلك كل الأشياء لإرادته المادية، وأخذ، عبر شيفرات نسقية، يرسل ما يمرّر مضمون التكسب وطلب المال. وعن جدارة جعل ظاهر الخطاب يكشف عن رؤية جميلة، وتفكير إنساني رائع، يخاطب قلب الممدوح، ويجد قبولاً لديه ولدى القارئ، في حين أن تأويل مضمرات اللغة كشف عن قبحه وسوء رؤيته، وبيّن توجهاته المادية، وأطماعه الذاتية، وليس غريباً، وفق ذلك، أن تكون المرأة لديه متخيلاً موضوعياً معادلاً لذاته وتفكيره؛ لأنه عُرف ببخله الشديد على وجه الحقيقة، كما يبدو في تراجمه.
والأغرب من كل ذلك أنّ النقد الثقافي -في أمثلة شعرية أخرى- قد يضع الكرم ضمن تأويلات متعددة ومتنوعة، كأنْ يكون أداة تعتمد عليها الذات لإثبات قدرتها وتعميق سطوتها وبسط نفوذها على المجتمع، وقد يكون فعلاً إنسانياً تقوم به الذات تجاه الآخرين لحمايتهم من براثن الجوع والهلاك، وقد يكون وسيلة لديمومة الذات، واستمرار ذِكْرها، وتخليد أفعالها، «فالذِكر للإنسان عمرٌ ثان»، وقد يكون مادةً لتغيير نمط الحياة وتحقيق سعادتها، وقد يكون أسلوباً تُحقق الذات من خلاله منفعة ما في لحظة ما.
وهكذا يبقى الكرم نسقاً بحاجة إلى التحليل الثقافي.
(أكاديمي أردني)