كتاب

الأردن الجديد..

... أمضيت نصف عمري في الصحافة، وحين أقلب أرشيفي في المحاكم أجد أن التهم التي طالتني هي: قدح وذم وتحقير، الإساءة إلى مؤسسات رسمية، إفشاء أسرار رسمية... وثمة تهمة أيضا أسندت لي قبل عشرين عاما وهي: التسبب بالأضرار لممتلكات الغير... وكانت نتيجة قيامي بدهس مجموعة من (النعاج).. لأحد الأشخاص على طريق فرعي، ودفعت تعويضا للرجل...

لا أنسى أني وقفت أمام أمن الدولة أيضا، وأسندت لي تهمة تقويض السلم الأهلي.. كنت يومها قد حضرت مباراة للنادي الفيصلي مع النادي الأهلي، ولم أفهم التهمة جيدا...لأنهم اصطحبوني بعد الـ (12) ليلا وكنت صحفيا مستجدا عائدا من المطبعة، النعاس وقتها استولى على عيوني، وظننت أن القصة مرتبطة بشغب الملاعب.. لكن في اليوم الثاني، فهمت أن القصة لاعلاقة لها أبدا بمبارة الفيصلي والأهلي..

أتذكر أني نمت يومها في الزنزانة، وأنا أقول أن الحكم (مدعوم)..لأني حين راجعت نفسي تبين لي أني من الذين هتفوا ضد حكم المباراة، لكن في اليوم التالي فهمت التهمة جيدا.

ذات يوم أيضا، أخذوني إلى مخفر الشرطة، كنت صغيرا وقتها، وأسكن (ابو نصير)... كل ما فعلته هو أني مشيت على سور مدرسة البنات فقط، وفوجئت بسيارة الشرطة تنتظرني عند نهاية السور...في تلك الايام كانت الشرطة مختلفة تماما، وحنونة جدا.. لم يكن هنالك عقاب أبدا، كل ما فعلته هو أني (شطفت) المخفر كاملا...وكان مدير المخفر يصرخ علي ويشجعني (عفيه النشمي).. ثم غادرت عند الساعة الخامسة وقت الغروب.. وحين دخلت الصف في اليوم الثاني، ضحك الزملاء جميعهم.. وقال لي أحدهم: (اعطوك القشاطة السودا ولا الحمرا)... تبين لي أن الجميع مر بالتجربة، فعلا الشرطة كانت حنونة..وتخدم المجتمع كثيرا... وتهتم بالنظافة.

اتهمت أيضا بالحب، واتهمت أيضا..بأني سرقت من علبة سجائر أبي، وأنا استغربت أن مدخنا يحصي علبة سجائره، هي لم تكن عملية إحصاء بل كانت طعما دسه لي أبي حتى يتأكد من معلومات وردته بأني أدخن، واعترفت يومها بالجرم، ومثلت الجريمة أيضا، وكنت أتمنى لو كان العقاب (شطف المخفر)، أبي كان عقابه صارما، أكثر من الشرطة.

نحن اليوم أمام أردن جديد، أردن لم تعد فيه تهمة الذم والقدح والتحقير مهمة.. لم تعد فيه تهمة دهس (النعاج) مهمة... الأردن الجديد هو الذي صارت فيه (تهمة التهرب الضريبي).. هي الأساس وهي التي تعني المال والوجاهة، كنت أتمنى لو اتهم بهذه التهمة... ومستعد لأن أقوم (بشطف) كل المخافر في المملكة، والناس تشير لي بالبنان..وتقول عني: (هذا هو كبير الحيتان في البلد)، كنت أتمنى أن يطاردني (العسعس).. ويفرد لي مؤتمرا صحفيا خاصا يعرض فيه وقائع تهربي وحجم المبالغ، ويصدرون وثيقة متعلقة بأملاكي.. وأكتب على تويتر تغريدة تقول: (حسبي الله ونعم الوكيل عليك يا عسعس)...

يبدو أننا لا نشهد قانونا جديدا، ولا تهما جديدة... نحن نشهد ولادة الأردن الجديد الذي لايوجد فيه حصانة لأحد... صدقوني أن أردنا جديدا يولد الان.

لدي سؤال: هل من الممكن إدارج عقوبة (شطف) المخافر، ضمن قانون التهرب الضريبي على جميع المدانين؟

Abdelhadi18@yahoo.com