... أتابع حملات التهرب الضريبي، ثمة مداهمات تتم.. وملفات تصادر.. بصراحة تامة، حين جاء العسعس إلى وزارة المالية كنت أعتقد أن هذا الرجل من الممكن أن يقدم دعاية (جليت الجبار)... ومن الممكن، أن يمثل إعلانا (لكريم مرطب) لمرحلة ما بعد الحلاقة.. لكن تبين لي أنه أشرس من سلامة حماد بكثير.
القصة ليست تهرباً ضريبيا فقط، ولكن القصة هي هيبة الدولة... فأنت حين تجني من جيب المواطن أرباحاً هائلة، ثم تتحدث عن قوانين حماية القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار، وتمضي في سبيلك دون أن تعطي الدولة حقها من تلك الأرباح الهائلة.. التي دفعت من جيب المواطن، ومن القروض ومن الضرائب... فهذا لا يعتبر تهرباً ضريبياً وإنما الوصف الدقيق له هو (السرقة)..
السيد وزير المالية..
أتدري ما يؤرقني، هؤلاء الذين تطاردهم الآن... وتوظف كوادر وزارتك لأجل مراجعة ملفاتهم، هم ذاتهم من كانوا يدخلون المطاعم الفاخرة... ونركن نحن في الزوايا، لأن الطاولات الفخمة حجزت لهم... هؤلاء هم ذاتهم الذين كنا نقف على أبوابهم لمراجعة قروضنا، وقد يمنون علينا بتخفيض الفائدة وقد يعتذرون عن اللقاء.. هؤلاء كانوا يمضون الصيف في قبرص.. والشتاء في سويسرا، وكانوا ينظرون إلى حبنا للبلد ولتاريخ أهلنا على أنه مجرد ترف نمارسه في المقالات... كانوا يا سيدي الوزير يتحدثون كثيراً عن الرخام الإيطالي، وعن المسبح الدافئ.. وكانوا يعتقدون أن المال كفيل بشراء القلب والضمير، وكفيل أيضاً.. بشراء الدم والتاريخ..
السيد الوزير..
سأعود لهيبة الدولة... الهيبة لاتعني أبداً نشر المدرعات في الشوارع، والهيبة لا تعني أبداً التقيد التام بقوانين الدفاع... هيبة الدولة في نظري تعني أن الدولار لا يكبر على القانون.. ومن الممكن في لحظة أن تدوس عليه، وهيبة الدولة تعني أيضاً.. أن قواشين الأراضي الكثيرة لاتنتج الكرامة بل من الممكن أن تنتج التجبر والانحطاط، وهيبة الدول أيضاً تعني: أن تكون صارماً... فالمجاملة في الشأن الوطني هي خيانة... لا مجاملة أبدا في خبز الناس، ولا في دمعهم ودمهم.
السيد الوزير..
كم تبقى من ملف، وكم من مداهمة بانتظار الأوامر... وكم من مكتب فاخر بني بالسيراميك الإيطالي، وخشب الصندل... وزرع بالورود ستدوسه قدم الدولة.. كم من قلق تبقى كي يسكن أضلاع هؤلاء الذين ظنوا البلد نزهة، والناس مجرد رعايا.. وكم صباح تبقى، يفكر فيه هؤلاء الناس بالهروب... وكم من ندم سيترجم بالدمع والنحيب..
إن كنتم ستنتصرون لأحذية الأطفال المهترئة في (الأطراف المنسية) فنحن معكم، وإن كنتم ستنتصرون لوجع الناس في الجنوب، وأحلام الصبايا في القرى النائية.. ولخبز الأرامل والثكالي فنحن معكم..
حين تصحو الدولة ولو متأخرة.. أفضل من أن لاتصحو أبداً.
abdelhadi18@yahoo.com
مداهمات
10:15 16-6-2020
آخر تعديل :
الثلاثاء