كتاب

الأمن الغذائي الذاتي؛ متطلب وهدف (1- 3)

الامتحان الصعب لمفاصل الدولة الأردنية، بظروف انتشار الوباء العالمي، وما تسبب به من تغيرات وويلات، يفرض على صناع القرار إعادة النظر بمعطيات الاستقرار، فالجهود والحنكة الملكية بقيادة جلالة الملك لمعركة الوباء، سجلت الدرجة الكاملة، حيث المتابعة والتوجيه على كافة القطاعات، فهاجس توفير المخزون الغذائي الآمن، بالتوازي مع المخزون الصحي من العلاج والأجهزة الطبية، احتل العنوان الأهم بعد توفير الأمن والآمان، وملحق بهما استمرار قطاع التعليم بأداء دوره الأساسي والمفصلي بتبنى سياسة التعلم عن بعد، فتكيف الأردن مع الواقع الذي فرض نفسه، بعد إغلاق للحدود وتعطيل للمؤسسات، وفرض إجراءات مشددة من حظر للتجول وحجر منزلي للوقاية ومحاصرة المرض، فأثمرت جهود الجيش الأبيض في الميدان بالاستقصاء والتشخيص والمتابعة والعلاج، وجهود أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بتكامل وتناغم مثالي، نابع من الوطنية والتصميم على اجتياز المرحلة بنجاح باهر، وقد نجحنا، وأصبحنا أنموذجا للاحتذاء على مستوى العالم، مصدرين للخبرات، والرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه بتجربة ميدانية، ضمن إمكانات متواضعة، وظروف مستجدة، بحماس مستجدة.

الاهتمام بالملف الزراعي بهدف توفير الأمن الغذائي الذاتي، واحد من محاور الأجندة الملكية، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي؛ محصلة لاستقراء محددات المستقبل بعد تحليل لظروف الماضي والحاضر، استيعاب التغيرات الدولية بين الدول المصدرة للأساسيات الغذائية، ويقيني أن الأردن مصنف عبر التاريخ بأنه بلد زراعي بسبب طبيعة الأرض وتنوع التربة، إضافة لتضاريسه الربانية ومناخه المعتدل، وموقعه الجغرافي في قلب المنطقة، وهذا ما درسناه بالمدارس في القرن الماضي، فمن يستمع جيدا لروايات الأجداد يدرك درجة الاكتفاء الذاتي بالمحاصيل الزراعية حتى بداية ثمانينات القرن الماضي، فكنا ننتج ونصدر القمح والعدس والشعير، الفواكه والخضروات والعسل، الزيت والزيتون والصابون، الألبان ومنتجاتها، الثروة الحيوانية والأسماك، إضافة لتعدد الإنتاج الزراعي صيفا وشتاءً، خصوصا بعد القرار الملكي بالموافقة على استحداث قناة الغور لمشاريع الري الزراعية.

للأسف، تعرضت رقعته الزراعية لاعتداءات مبرمجة بهدف التوسع العمراني ومشاريع الإسكان والتي من المفترض إقامتها بامتداد صخري وصحراوي، كما أن انحسار خدمات البنية التحتية بالمدن الكبيرة وخصوصا العاصمة وإربد في الشمال، ساعد بالهجرة الداخلية من الريف للمدينة، وتضحيات بالأراضي الزراعية بأسعار متواضعة لتوفير الشقق السكنية، أو المساعدة على تدريس الأبناء، معادلة عكست الاهتمام على مستوى الفرد والعائلة، بمقاصة سلبية وتسجيل الخسارة للأراضي الزراعية، والإعتماد على المستورد، فاختفاء أفران الخبز من الحارات، مثال صارخ على الخطيئة، وأصبح المنتج الزراعي من الحبوب وغيرها، يحتل مساحة بسيطة من حاجة الوطن وأولوياته.

الاكتفاء الذاتي بتوفير المواد الغذائية، ومنتجات الصناعات الطبية بكافة أشكالها، هو خيار استراتيجي، يجب أن يتحقق، وهذا الشعار هو المحور الأساسي للحديث والاهتمام الملكي بزياراته الميدانية لمختلف المناطق، وبداياتها العملية والفعلية، تبدأ بخطوة فورية غير قابلة للتأجيل، بقرار حكومي يمنع أي شكل من أشكال الاعتداء على المساحة الزراعية المتبقية ضمن مناطق الوطن وخصوصا في شماله وجنوبه كخطوة أولى، والانتقال لدراسة واقع المشاريع الصناعية المقامة على الأراضي الزراعية لإيجاد حلول مناسبة لاستعادتها، على أن تكون هناك سياسات تشجيعية واضحة لدعم العمل الزراعي، خصوصا بتمتع الإنسان الأردني بقدرته على التكيف والانتقال لخطوة الالتصاق بالأرض التي تعطيه درجة من الأمان بتوفير المتطلب الأساسي للحياة، فأرضنا وباطنها غني بالخيرات، ونحن أمام امتحان مصيري، ونحن أمام فرصة تاريخية لإثبات قدرتنا على الصمود، وللحديث بقية.