تحتاج الدول الى تحقيق شرطين للنجاح في عبور الازمات، الأول هو: امتلاك قيادة فعالة وقادرة على توحيد المجتمع وحشده خلفها، وإدارة عامة وأجهزة قادرة على فرض النظام والتعامل مع المستجدات وجمع المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات وتنفيذها، إضافة الى حيازة ثقة الشارع بالحكومة عن طريق انتهاج الشفافية والمصارحة، أما الشرط الثاني: فهو امتلاك خطة قصيرة المدى للسيطرة على الازمات واستراتيجية متكاملة للتعامل مع تبعاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على المدى المتوسط والطويل تضمن تحسين ظروف المواطنين المعيشية وإتاحة المزيد من الفرص أمامهم.
الحكومة اليوم أمام سؤال صعب، من أين يتوجب عليها جلب السيولة اللازمة للتعامل مع الازمة (اقتصاديًا وصحيًا)؟
فعلى خلاف ما حصل في أزمة ٢٠٠٨ فالعالم أجمع على أن أفضل طريقة لضمان سرعة تعافي الاقتصاد هي زيادة الانفاق لا التقشف، وزيادة الانفاق المطلوبة تنقسم الى انفاق مالي مباشر كدعم العمالة والقطاعات المتأثرة بالأزمة كالسياحة والطيران والمطاعم وغيرها، ودعم غير مباشر كتقليل العبء الضريبي وكلف الإنتاج وفواتير الطاقة وغيرها، ناهيك عن أن مربع الصفر في السيطرة على الازمة هو الحفاظ على وظائف المواطنين والابقاء على نسب بطالة منخفضة، ومن دون ما سبق فإن الازمة ستزداد عمقًا وفترة التعافي ستحتاج لسنوات طويلة نعاني فيها من الارتدادات الاجتماعية والسياسية للقرارات الاقتصادية غير المدروسة.
وبعد اقتراب نسبة الدين العام الي الناتج المحلي الإجمالي من كسر حاجز ١٠٠٪، وهذا يعني أن قيمة الدين تساوي مجموع الدخول أو قيمة السلع والخدمات المتوفرة في المملكة لمدة عام واحدة، ومن المرجح استمرار ارتفاع قيمة الدين العام لتبلغ ١٠٧٪ مع نهاية العام، يزداد سؤال السيولة تعقيدًا، هذا إضافة للاقتطاع الذي طال رواتب الموظفين في القطاعين العام والخاص، وتراجع الحركة الشرائية مما سبب تراجع الإيرادات الضريبية التي تمثل ضريبة المبيعات حوالي ٧٠٪ من قيمتها الكلية، بدأت ملامح الازمة الاقتصادية الحالية بالتشكل، واذا لم نحسن التعامل معها سنواجه المزيد من الفقر والبطالة وخيبات الامل.
نسبة الدين الداخلي تزيد على ٥٠٪ بالنسبة لمجموع الدين العام بقيمة تساوي ١٨٣٤٠، ٥ مليون دينار، بفوائد بلغت تقريبا ٣ أضعاف فوائد الدين الخارجي بقيمة ٢٣٩ مليون دينار من بنود موازنة عام ٢٠٢٠، هذا حسب تقرير وزارة المالية لشهر نيسان الماضي. وهنا قد يكون مفتاح الحل ولو على المدى القصير، أن تبدأ الحكومة، ضمن المتاح بالبحث عن صيغة مقبولة لتأجيل سداد الدين الداخلي وتخفيض نسب الفائدة للديون الداخلية الجديدة، من دون المساس بتصنيف المملكة المالي والائتماني، عندئذ ستجد الحكومة بعض السيولة التي تحتاجها، هذا يمكن أن يتحقق من خلال انشاء صندوق تحت اشراف مشترك بين الحكومة والجهات الدائنة، تقوم الحكومة بإيداع مبالغ السداد وفروق الفوائد فيها، مع ضمان انفاق هذه المبالغ للسيطرة على الازمة فقط، وهكذا نضمن وجود بعض السيولة المطلوبة لزيادة من سرعة عودة عجلة الاقتصاد للدوران، فالحكومة والقطاع الخاص والمجتمع في مركب واحد، والخروج السريع من الازمة سيفيد الجميع.