كتاب

من‏ منع ‏الصواعق إلى منع الحروب!

يعتقد مؤرخون عديدون أن الثورة العلمية هي التي تجرأت على مفاهيم ‏قديمة كانت سائدة قبل خمسة قرون وإلا لما حدث التقدم البشري الذي شهدناه حتى الآن فقد كان أكثر الناس حول العالم وعبر ديانات وثقافات مختلفة يعتقدون أن المعارف الدنيوية بشكل عام قد تم الإلمام بها جميعا ولم يعد هناك مجال للمزيد او التوسع خارجها، وظلوا يؤمنون بان العصر الذهبي كان في الماضي وبقي هناك! وأن من غير الممكن استعادته إلا بالتمسك الصارم بحكمة وأحكام المفكرين القدامى كما ورثناها عنهم، بل إن من المستحيل على العقول البشرية أن تصل الى حلول نهائية للقضاء على الفقر أو المجاعة أو المرض أو الحروب فهذه المصائب الكبرى ينبغي أن تتدخل قوة قاهرة فوق طاقة البشر لحلها كالمسيح المنتظر أو المهدي المنتظر، وعندما بدأت الثقافات الجديدة تُقّر بانها تعرف بعد كل شيء وأن هناك مسائل عديدة مازالت خفية بحجة لمن يكتشفها، وأن العلم هو القادر على ذلك وبالتالي على إنجاز التقدم المنشود وحل مشاكل عسيرة لا كالفقر والمرضى فحسب بل حتى الشيخوخة التي تعتبر من المصائر الحتمية التي لا مفر منها إن هي إلا نتيجة لجهل الإنسان بأسبابها!

ذات يوم بعيد في أواسط القرن الثامن عشر استطاع بنجامين فرانكلين العالم الأميركي واحد المؤسسين الأوائل للولايات المتحدة أن يبهر الناس بإيقاف الصاعقة وإطفاء البرق في السماء بأن طير طيارته الورقية ووصل خيطها بمفتاح حديدي بعد أن كان قد اكتشف أن المسألة لا تتعدى كونها تيارا كهربائياً ينشأ عن اصطدام غيمتين ويمكن تفريغه في الأرض، وقد كان اكثرهم حتى ذلك الوقت يعتقدون أنها غضب من الله وهو يعذب الآثمين والخطائين..

بمثل هذا الابتكار العلمي إذن يمكن الوصول لمعرفة الحلول لكثير من المشاكل البشرية التي كانت تعتبر أزلية من المستحيل التحكم بها أو تجنبها فنذكر هنا بالتقدير العالي إن اكتشاف مصل واقٍ ضد الجدري قد أدى الى محو وبائه الخطير تماماً من على وجه الكرة الأرضية منذ عام 1978، كما أن معالجة الكثير من أسباب الأمراض والهرم والشيخوخة قد رفعت معدل أعمار الناس لمستويات عالية بلغت في بعض الشعوب فوق الثمانين عاماً بعد ان كانت في القرن الماضي تتراوح حول الأربعين..

وبعد.. حتى الفقر استطاعت كثير من الأنظمة الاقتصادية والفلسفات الاجتماعية الحديثة أن تثبت على الأقل قدرتها على منعه بتحسين دخل أناس وظروف عملهم، اما الحروب فيمكن تجنب ويلاتها بمعرفة دوافعها المفضية للتوسع الاستعماري من أجل فتح الأسواق الجديدة ولو عنوة لإشباع جشعه للأرباح خصوصاً في صناعة الأسلحة..!