د. زيد
لا أحد في أعقاب جائحة كورونا يستطيع ان يتكهن بمستقبل البنوك حول العالم وعلى راسها بلا منازع البنك الدولي فذلك جزء من التكهن بمستقبل الاقتصاد العالمي باسره، واذا استبعدنا التكهن الملفع بالتمني فأننا قد نخلص لقبول بعض التحليلات التي تشير الى ان علاقة رأس المال بالسياسة لا بد ان يطرأ عليها اشكال مختلفة من التغيير تمكّنها من المحافظة على التوازن القائم (حتى الآن) بين الحكومات والبنوك باعتبار الأخيرة الظهير القيادي لما اصطلح على تسميته ((القطاع الخاص)).
ذلك مدخل سريع ربما يفيد في فهم القصة (الفضيحة) التي انتشرت مؤخرا حول غضب البنك الدولي بعظمته(!) على كبيرة خبرائه الاقتصاديين الدكتورة بنيلوب غولدبيررغ اليونانية الأصل رئيسة قسم الأبحاث فيه ولم يمضِ على تعيينها سوى خمسة عشر شهراً لأنها أصدرت تقريراً خطيراً اخر البنكُ نشره خشية تشويه صورته الأخلاقية لا المالية فحسب، فقد كشفت فيه عن زيادة تدفق الأموال على بنوك الملاذات المالية الآمنة (بنما كمثل) مباشرة بعد ان يحوّل البنك الدولي قروضه لبعض الحكومات في إشارة واضحة لفسادٍ ما كالتهرب الضريبي وغسيل الأموال والاختلاس والرشوة! وطالبت بينيلوب (بيني) أستاذة العلوم الاقتصادية في جامعة ييل الأميركية ضمناً او صراحة بالتحقيق في الامر وهو ما لا يرضاه البنك حتى لا تنفضح حقيقة سياسته الأخرى المتضمَّنة في تقريره باهظة الكلفة رفيعة الحبكة والإِعداد التي ظاهرها خير المجتمعات في شتى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية ولقد تبيّن للكثيرين مع الوقت ان هدفه منها دعم ودفع القطاع الخاص فيها للحلول محل القطاع العام وتهميش دور الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة كالصحة العالمية والعمل الدولية واليونسكو، اما باطن هذه السياسة فخدمة أمواله وتنميتها بمزيد من الأرباح والمكاسب كأي بنك تجاري مع تمتعه بنفوذ الدول الكبرى المساهمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
وانا اذ أحيي شجاعة هذه المديرة التي وصفتْها اكبر صحيفتين متخصصتين في شؤون المال والاقتصاد في العالم هم الإيكونوميست (التي فجَّرت النبأ في 13 شباط) و الوول ستريت بأنها من اقدر وأكفأ من عمل في تاريخ البنك الدولي، اتساءل كذلك هل نصدق ان الرقابات البرلمانية القوية المحنكة في الدول الديمقراطية حول العالم تجهل ما كشفت عنه هذه المديرة من شبهة التواطؤ بين بعض الحكومات المقترضة وبين بنوك الاوف شور ومن ثم العلاقة العضوية بين البنك الدولي وسياسة الحكومة الأميركية نفسها في غض الطرف عن فساد تلك الحكومات!؟
وبعد.. فمنذ الاف السنين عندما ابتدع خيال الانسان السومري بين النهرين (واخرون في بلاد أخرى) العملة المعدنية كأساس مقبول ومصدَّق للتعامل في الأسواق المحلية او عبر الحدود كانت ((الثقة)) هي المحور والمرجع بل الغطاء الحقيقي لها.. فإذا اهتزت هذه الثقة، ترى ما الذي يتبقى؟!!