من الصعب على المحلل أن يجدَ مختصراً شاملاً لمعاني تضمنتها مقالة جلالة الملك عبد الله الثاني التي نشرتها له يوم أول من أمس صحيفة الواشنطن بوست والتي اختار لها جلالته عنواناً عريضاً قصده لدلالاته العميقة "حان الوقت للعودة إلى العولمة، ولكن لنطبقها بالشكل الصحيح هذه المرة" وأظنّه يحتاج إلى قراءات خاصة من أولي الشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالإضافة لما يشتمل عليه من بُعد آخر في شخصية الملك تنبّهنا له منذ بدأ جلالته ينشر مقالاته في كبريات الصحف العالمية والتي كانت كما هذا المقال تنم عن أفق واسع ونظرة بعيدة المدى ملخصها الصورة المطبوعة في ذهن جلالته التي يريد للعالم أن يكون عليها وينعم في ظلّها بأمن وسلام ورخاء وحياة هانئة.
الملك في مقالته الأخيرة أماط اللثام عن وجه مشرق لا بد وأن يتبعه العالم وصنّاع القرار فيه والذي إزدادت الحاجة إليه بعد إجتياح فيروس كورونا المستجد لكافة دول العالم بلا استثناء والذي جعلها ولاوّل مرة تلتقي على هدف واحد وهو كيفية التخلص منه ودحر تداعياته على اقتصاديات الدول وهو الأمر الذي رأى جلالته أهمية البناء عليه والانطلاق منه للتعاطي مع ضبط إيقاع العولمة بدلاً من تفكيكها على حدّ وصفه، وهو ما يحتم على القيادات السياسية والفكرية وقادة الرأي أن يوجّهوا جهودهم للعمل ضمن رؤية جديدة تضع سلامة الناس والبشرية جمعاء في مقدمة الإعتبارات وعلى رأس الأولويات.
جلالة الملك بهذه المقالة أو إن جاز لنا تسميتها بـ"المبادرة" ذات الأبعاد الإنسانية في مراميها، يضع للعالم خارطة طريق ويوجه بوصلة العمل في المرحلة القادمة نحو خدمة الإنسان في كل مكان فوق الأرض، لتوفير حياةٍ أفضل لبلايين الناس، وتوسيع دائرة الرفاه بصورة ملحوظة وتلك ستكون عملية رابحة لجميع الأطراف، بل إنّها ينبغي أن تكوّن الرباط الوحيد المقدر له أن يجمع العالم معا للبدء بتغيير النهج ليصبح أكثر إيجابية، فجلالة الملك وكأنّه أراد أن يقول أنّ جائحة كورونا قد وضعت العالم على مفترق طرق في زمنٍ يتصف بالخطر والتحدّي، ولكنه أيضاً مليء بالفرص الفريدة إن أحسنّا استثمارها.
يكتُب جلالة الملك مقالة من نوع مختلف في وقت مختلف ويعطينا ويعطي الإنسانية درساً في فنون الحكمة والقيادة، ويُغلّب مصلحة الإنسان وحياته على ما سواهما، ويدعو بصوت مرتفع ويقول إذا أردنا التغلب على ملف كورونا المعقد فإنّ علينا أن نوحّد اهدافنا ونركز لتصبح غايتنا تتمثل في بقاء وسلامة البشرية في كل مكان، وبذلك فإن حسابات الربح والخسارة والمصالح الآنية لا تجد لها مكاناً في تفكير جلالة الملك الذي ما انفك يسعى منذ تسلم سلطاته الدستورية إلى تحقيق الأمن والرفاه في كل مكان من العالم وتلك فحوى رسالته التي نزداد يقيناً أنه سيواصل العمل لتحقيقها.
Ahmad.h@yu.edu.jo