منذ ايام المدرسة لم اعُد لشاعرنا وفيلسوفنا الكبير ابي العلاء المعري وكأنما اكتفيتُ بما شرحه لنا معلم الادب العربي آنذاك الاستاذ عوض الرويلي المتخرج لتوه من دار العلوم في القاهرة وكان يتحدث عنه بطلاقة كأنه يقرأ في كتاب وحين يلحظ اننا ضجرنا يأخذنا بلهجته الاردنية الرمثاوية المطعمة بالعامية المصرية المحببة الى جانب من ذكرياته في القاهرة واحيائها القديمة التي تخيلناها بسحرها كما في ثلاثية نجيب محفوظ.. ولعل ذلك التشويق حفز كثيرا منا للدراسة الجامعية هناك!
في زمن كورونا الثقيل الذي نعيشه منذ شهرين كنت ابحث في مكتبتي عن كتاب اخر اقرأه فاذا بأبي العلاء المعري امامي في مؤلَّف اصدرته دار الورّاق للنشر في بيروت مؤخرا ويضم علمين من اعلام الفكر اولهما طه حسين في كتابه الذي نشره عام 1939 بعنوان ((مع ابي العلاء في سجنه)) وشرح فيه بلغته الجزلة الرخيمة جملة من اراء ابي العلاء ومذاهبه وعلّلها، أما ما قيل عن إلحاده فبيّن انه مؤمن بالله لكنه غير راضٍ عن الانبياء لأنهم كما جاء نصاً في شعره خلّفوا للبشرية الانقسام والتطاحن والاحتراب، وثانيهما معروف الرصافي الشاعر العراقي برسالته التي رد فيها عام 1942 على طه حسين وعنونَها ((على باب سجن ابي العلاء)) وعبّر فيها عن تقديره الوافر لشعره وفلسفة حياته، وتحمس كثيرا وهو يدافع عن اقامته ببغداد التي لم ينفر منها ومن اهلها فقد احبوه واحترموه..
لم اكن متأكداً من اني سأقرا كتاباً قديماً كهذا حتى نهايته واذا بي ارحل بِتَؤُدة مع صفحاته الثلاثمئة الى ما قبل الف عام لاستمتع بشعر ابي العلاء المتمكن وبفلسفته الغاضبة على الدنيا في ظلام محبسه الاول بسبب فقده نعمة الابصار، او في محبسه الثاني حين لازم بيته في المعرة لنصف قرن بعد العودة من بغداد، ثم محبسه النفسي الثالث حين انقطع عن الناس واعتزلهم نقمةً على تردي أخلاق المجتمع في هوة النفاق والخداع والفساد، ثم لأستمتع غير حائرٍ بآراء معروف الرصافي التي يعاتب فيها طه حسين على سوء ظنه بأن أبا العلاء كره بغداد فهجرها وقد عجبتُ لمغالاته في العتاب بعدما عرفتُ من حكمته وفطنته في كتابه ((الشخصية المحمدية))/ 1932، وكذلك لأستمتع بالوصف السلس الرقراق عند طه حسين وهو يتحدث في حنان بالغ عن صنوه الكفيف ويأسف لاحاله انه لم يتمتع مثله بجمال الدنيا ببصيرته، ثم يذهب بطول أناة باحثاً في ((لزومياته)) و((فصوله وغاياته)) ويحلّل بنبرة المعجَب اقسى واصعب قصائده التي ندر من يدانيها في القدرة على نظمٍ لا تنتهي قافيته بحرف واحد فحسب بل بثلاثة..
وبعد.. هذه بضع ساعات خارج زمن كورونا لستُ أراها مضيعة لوقتٍ عنوانه الابرز هو ((التأمل))، ولِمَ لا تكون فلسفة ابي العلاء بعضَ هذا التأمل؟!
في زمن كورونا الثقيل الذي نعيشه منذ شهرين كنت ابحث في مكتبتي عن كتاب اخر اقرأه فاذا بأبي العلاء المعري امامي في مؤلَّف اصدرته دار الورّاق للنشر في بيروت مؤخرا ويضم علمين من اعلام الفكر اولهما طه حسين في كتابه الذي نشره عام 1939 بعنوان ((مع ابي العلاء في سجنه)) وشرح فيه بلغته الجزلة الرخيمة جملة من اراء ابي العلاء ومذاهبه وعلّلها، أما ما قيل عن إلحاده فبيّن انه مؤمن بالله لكنه غير راضٍ عن الانبياء لأنهم كما جاء نصاً في شعره خلّفوا للبشرية الانقسام والتطاحن والاحتراب، وثانيهما معروف الرصافي الشاعر العراقي برسالته التي رد فيها عام 1942 على طه حسين وعنونَها ((على باب سجن ابي العلاء)) وعبّر فيها عن تقديره الوافر لشعره وفلسفة حياته، وتحمس كثيرا وهو يدافع عن اقامته ببغداد التي لم ينفر منها ومن اهلها فقد احبوه واحترموه..
لم اكن متأكداً من اني سأقرا كتاباً قديماً كهذا حتى نهايته واذا بي ارحل بِتَؤُدة مع صفحاته الثلاثمئة الى ما قبل الف عام لاستمتع بشعر ابي العلاء المتمكن وبفلسفته الغاضبة على الدنيا في ظلام محبسه الاول بسبب فقده نعمة الابصار، او في محبسه الثاني حين لازم بيته في المعرة لنصف قرن بعد العودة من بغداد، ثم محبسه النفسي الثالث حين انقطع عن الناس واعتزلهم نقمةً على تردي أخلاق المجتمع في هوة النفاق والخداع والفساد، ثم لأستمتع غير حائرٍ بآراء معروف الرصافي التي يعاتب فيها طه حسين على سوء ظنه بأن أبا العلاء كره بغداد فهجرها وقد عجبتُ لمغالاته في العتاب بعدما عرفتُ من حكمته وفطنته في كتابه ((الشخصية المحمدية))/ 1932، وكذلك لأستمتع بالوصف السلس الرقراق عند طه حسين وهو يتحدث في حنان بالغ عن صنوه الكفيف ويأسف لاحاله انه لم يتمتع مثله بجمال الدنيا ببصيرته، ثم يذهب بطول أناة باحثاً في ((لزومياته)) و((فصوله وغاياته)) ويحلّل بنبرة المعجَب اقسى واصعب قصائده التي ندر من يدانيها في القدرة على نظمٍ لا تنتهي قافيته بحرف واحد فحسب بل بثلاثة..
وبعد.. هذه بضع ساعات خارج زمن كورونا لستُ أراها مضيعة لوقتٍ عنوانه الابرز هو ((التأمل))، ولِمَ لا تكون فلسفة ابي العلاء بعضَ هذا التأمل؟!