كتاب

صحافة قوية تحمل رسالة الدولة



كانت الصحف لمئات السنين الحارسات للديمقراطية، والموجهات للرأي العام والمعبرات عن ضمير الامة وهمومها، والحافظات لذاكرتنا الوطنية، والمسؤولات عن تعبئة المجتمع للاشتباك مع قضاياه العامة والتفاعل معها، كالمرآة التي تعكس واقعنا كلما نظرنا اليها، ومن منا يعيش في بيت لا مرآة فيه؟

تمر الصحافة الورقية في بلادنا بأزمات وجود منذ سنين، تتوزع بين الضوائق المالية الناتجة عن تعثر عوائد الإعلانات مقابل رواج الإعلانات الالكترونية، وانحسار أعداد المشتركين وانحيازهم للحصول على المعلومات من مصادر الكترونية مجانية متاحة على الهواتف والحواسيب تتمتع بالتحديث المستمر لموادها أو التخصيصة فيها كالأخبار الرياضية أو العلمية وغيرها، واتفق البعض على حاجة هذه المؤسسات لمواكبة العصر والتوجه للرقمنة.

لكن الكلمة المطبوعة تحتم على ناشرها الدقة فلا تراجع عنها إذا خرجت للمتلقي، وتمنح القارئ ثقة بما بين يديه، فهي ستبقى موجودة كما هي والرجوع اليها في أي وقت متاح للجميع، على عكس ما ينشر على الانترنت فهو قابل للتعديل أو المحو في أي لحظة، كذلك طريقة إخراج الصفحات وترتيب المواد والاخبار وانتقائها، يخرج المتلقي من التدفق المستمر للمعلومات التي توفرها وسائل التواصل والتكنولوجيا، ويعطي الأولويات الوطنية والمجتمعية حجمها الحقيقي من حيث الابراز فخبر الصفحة الأولى أهم من أخبار الصفحات الداخلية مثلا.

وسائل الحصول على المعلومات لا تقل أهمية عن المعلومات نفسها، فالوسيلة هي غاية بحد ذاتها في سياقات معينة تخبرنا عن طبيعة المتلقي واهتماماته وتحدد جدية المحتوى وطبيعته، فالصورة النمطية لقارئ الجريدة مثلا، تختلف عن صورة متلقي الاخبار عن مواقع التواصل الاجتماعي في ذهن الجميع، وكذلك مصداقية الخبر تختلف تبعًا لمصدره، وهنا تكمن أهمية المحافظة على نسخ الصحافة المطبوعة فنحن لا نناقش هنا الخبر فقط بقدر ما نناقش وسيلته في الوصول للناس وطريقة عرضه وتفاعل الجمهور معه.

المؤسسات الصحفية تختلف في بنيتها عن بنية المواقع الإخبارية الالكترونية فالصحف تمتع بشبكة مراسلين محترفين للعمل الصحفي يتقنون تقييم المعلومة وصياغتها وكتاب متزنين يحسنون توجيه الرأي العام والتعبير عن قضاياه، كما أنها توفر لهذه الكفاءات الدخل المالي اللازم للحياة الكريمة، كما تختلف في جدية تعاملها مع الاخبار والتقاطها لرسائل الدولة والتعبير عنها على المستوى الإقليمي والعالمي، هذا لا يقلل من أهمية الإعلام الرقمي لكنه يميز بينه وبين المؤسسات الصحفية بنسخها الورقية، كما يميز بين الإذاعة والتلفاز، وكلاهما يسير بجانب الاخر متكاملان لا يأخذ واحد فيهما دور الاخر.

لابد للصحافة الورقية من مواكبة أدوات العصر والاستفادة من إمكانيات الرقمنة على الأقل في مجال الإعلانات والانتشار، مع محافظتها على ارثها، ولابد للدولة كذلك من الوقوف معها واسنادها، فالصحف هي لسان الوطن وصوته المبين، فقد سئل "توماس جيفرسون" يومًا: ماذا تفضل حكومة من دون صحافة أم صحافة من دون حكومة؟ فقال: بالتأكيد أقف مع الكلمة التي تحمي الديموقراطية وتوجه المجتمع وتضمن اشتباكه بالقضايا العامة، فالمجتمع القوي يلد حكومة قوية مستندة إلى جبهة داخلية متينة.

Saifalrawashdeh0@gmail.com