أميركا وغضبها على المنظمات الدولية!
12:00 14-4-2020
آخر تعديل :
الثلاثاء
النقد حق ديمقراطي للمواطن تحاول الحكومات ان تقمعه احيانا فنحتج عليها ونعترض، لذلك ينبغي ان نحترم هذا الحق حتى لو رأيناه غريباً عجيبا حين يوجهه رئيس دولة مثل ترمب ضد الصحافة الاميركية نفسها ويعرج على منظمة الصحة العالمية فيصمها بالتقصير في محاربة وباء كورونا ثم يتهمها فجاة دون دليل بالانحياز للصين رغم ان قراراته كرئيس اقوى واغنى دولة في العالم كانت الاكثر ارتباكاً وفشلاً في مواجهة الجائحة في بلاده.
هذا الموقف الساخط على المنظمة الدولية يذكرني بما حدث قبل اربعة وثلاثين عاماً حين كنت على منصة رئاسة الجمعية العامة لمنظمة الصحة العالمية في جنيف واعطيت الكلمة لرئيس الوفد الاميركي فأذا به ينهال على المنظمة العتيدة بالتنديد والتوبيخ ويلومها على بعثرة جهودها واموالها في دول العالم الثالث ومشاريعها الصحية المسيسة ايديولوجياً (كذا!) وبعد ان قلل من اهمية مبادئ الرعاية الصحية الأولية التي توصي بها المنظمة (والتي على هديها نخوض اليوم بنجاح معركتنا ضد وباء كورونا) أردف يهدد بوقف دعم بلاده لميزانيتها ! وهنا كدت استعمل صلاحيتي واطلب منه التوقف عن الكلام لكني كتمت غيظي ! وفيما بعد واصلت كمسؤول صحي في بلادي متابعتي الحثيثة للنظام الصحي الاميركي وانا ارى تعامله معنا عبر المعونات والقروض وكيف توجهها الحكومة الاميركية لاغراض بعيدة عن جوهر الرعاية الصحية الفعالة وحسب اقتصاد السوق الذي يعتبر الخدمة الصحية مجرد سلعة كباقي السلع التجارية على المريض ان يدفع ثمنها وليست حقاً من حقوقه الدستورية والانسانية وكان يساند هذه السياسة المشبوهة من وراء الستار.. البنك الدولي! وواصلتُ بعد ذلك في مقالاتي على مر السنين انتقاد هذا النظام الصحي غير العادل الذي يحرم شرائح عديدة من الشعب الأميركي نفسه من اي تأمين صحي كما تنتقده صحافته ويشكو خبراؤه الصحيون، وها هي الأيام تثبت ذلك فيما يراه العالم بأسره من حال أميركا في مواجهة الجائحة.. واللهم لا شماتة !
وفي نفس السياق لعلنا نتذكر كيف تعاملت الولايات المتحدة بروح الهيمنة والاستعلاء مع منظمات دولية اخرى واشهر مثل قامت به كان انسحابها من اليونيسكو عام ١٩٨٤ احتجاجا على رئيسها السنغالي احمد مختار أمبو متهمة إياه بادلجة اليونيسكو بسياسة منظمة التعاون الآسيوي الأفريقي، كما كان هجومها المتشنج على نفس المنظمة يوم قبلت في عضويتها عام ٢٠١١ دولة فلسطين مدعيةً بان في ذلك مسّاً بحليفتها اسرائيل !
وبعد.. ان الرئيس ترمب حين يهاجم اليوم منظمة الصحة العالمية ويهدد بالانسحاب منها لا ياتي بجديد بل يمثل سياسة قديمة متجذرة في تاريخ بلاده رغم انها كانت في عام ١٩٤٥ احدى الدول «المؤسسة» للمنظمة الأم..الامم المتحدة!