من لم يبك اغرورقت عيناه، وكُتمت أنفاسه، لحزن وفرح في غرابة صنعها العطاء والرجولة، والروح الانسانية التي تتولد في الازمات، ومصائب الدهر وافراحه.
نراهم في هزيع الليل، واشراق الصباح، يسابقون الزمن والواجب، أيديهم لا ترتجف في حمل السلاح، ولا من قساوة الطقس، يدكون الارض ببساطيرهم، جيئة وذهابا، وأعينهم ترقب أقواس الحياة، فهذا يداوي مريضا، وآخر يدفئ عجوزا، وذاك يقود مسنا، ويطعم جائعا بأفضل مما يأكل، وهم يجودون بما في جيوبهم على قلته، لخبز محتاج وعابر سبيل، ضاقت به الدنيا، فجاء الفرج من مرتدي شعار الجيش العربي والأمن العام.
ثمة ثوب أبيض أختفى عن المشهد، يقبع في غرف سكنها فيروس فتاك، كيلا يئن مريضه في ضوء النهار وعتمة الليل، وقلبه معلق بشفاء مصاب، وسيكون خروجه في اللحظة الحاسمة، عندما ترتفع تكبيرات المساجد، وتقرع اجراس الكنائس، وتقام صلوات الشكر لله، وتعلو الأكف الى السماء بالدعاء، بحفظ الاردن وقيادته وشعبه، فالعز والفخر سيكون بمن صال وجال، وقدم وضحى، بوقته وماله وعرق جبينه، من عامل وطن، الى تاجر شريف، الى قائل كلمة طيبة.
وساعة ينجو الوطن، أي دموع ستذرف، وأي ورد سيرش، في دروب رافعي علامة النصر على «كورونا».
في اللحظة الحاسمة، كان قرار عزل أحبة في الفنادق، ضمن فعل فاجأ العالم، واداء حكوميا ترفع له القبعات، تبعه أوامر دفاع لاقت تأييدا، على غير العادة، والعالم يتساءل بدهشة، ماذا يجري في الاردن؟، دولة محدودة الموارد، طاقتها كامنة في قواها البشرية، تصنع ما عجز عنه الكبار، وقائد لم ينظر الى السياسة والكلف الاقتصادية، بل أعاد التأكيد على تغريدة الحياة المتوارثة كابرا عن كابر «الانسان أغلى ما نملك»، فوقف الأردني في اقطاب الأرض شامخا ليقول: هذا وطني.
في ركن شمالي، رف القلب الى إربد، وهي تداوي آثار فرح، أفسده ضيف فيروسي ثقيل الظل، قدم من عبر العالم، لم يقرأ التاريخ جيدا، فهب الوطن يحاصره في ملاذاته غير الآمنة، فالدخلاء يطردهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه، فها هم يلاحقونه في كل بيت وزاوية، فلن يستحكم لص يريد سرقة الحياة في سهول القمح والزيتون والدحنون.
متى النصر؟ ثمة سؤال لا يستطيع أحد الإجابة عليه، لكنه يكون بالالتزام في البيوت، والتباعد الاجتماعي، وعدم التسرع، لان العجلة قد تقود للندامة، فنصرنا يكون مع خروج الجيش الابيض والمسلح وعودته سالما الى بيته وثكنته، وتعقيم كل شبر وطأة فيروس كورونا، ساعتها نعلن النصر، ونترحم على الشهداء، ونقبل الأيدي التي حفظت للاردن مواطنيه.