كتاب

عندما يكون الأردن الصغير قدوة للكبار



الأردن بلد صغير في مساحته وعدد سكانه، شحة وندرة موارده عدا مواطنيه؛ مقارنة بدول كبرى أحجامها أضعاف أضعاف حجمه، مواردها الطبيعية والمالية والاقتصادية لا تنضب. هذا البلد أثبت وما زال يثبت؛ أن صغر الحجم وشحّة الموارد؛ لا يمكن أن تعطّل الخلق، الذي يأتي من العقول الخلّاقة والسواعد القوية والإرادات الحديدية.

في المعركة الشرسة التي تدور الآن بين الإنسان بهيلمانه بثرواته باستعداداته العظيمة، بل بأساطيل تنشر الفزع والهلع والرعب بين الشعوب المستضعفة وهي مشلولة تماماً الآن، هذا الإنسان المتجبّر؛ لم يستطع أن يقاوم مخلوقاً حقيراً (فيروس كورونا) في حجمه يبلغ قطر خليته خمسمئة من مليون من المتر. كلّ سنتيمتر طول يحوي حوالي ألفي فيروس.

نعود إلى الدول التي تمتلك الأساطيل الحربية الكبيرة والتي تملك حاملات طائرات تبلغ طول واحدة منها (الإنتربرايز) مثلاً وكان طولها 345 متراً أي بطول عدد من هذه الفيروسات يقارب سبعين مليوناً؛ لم تستطع مقاومة فيروس واحد منها!. لنا أن نتخيّل حجم الخيبة والصدمة التي يمر بها العالم خاصة الدول الكبرى وغيرها من الدول التي تعتبر متطّورة ومتقدّمة عن باقية دول العالم، بل وتصنّف شعوبها في مراتب أقل منها بكثير كثير، بل لا تسمح لأحد حتى مجرّد المقارنة، هم من عالم مختلف.

نعود إلى (الأردنّ): البلد الصغير،.. الكبير، والذي كان من أوائل بلاد الدنيا في التنبه لخطر الوباء وبالتالي التحرّك بسرعة لمقاومته وحماية مواطنيه من شرّه، سواء كانوا على أرضه أم في مختلف أصقاع الدنيا. كان أول من أرسل طائرة لإعادة مواطنيه من موطن الداء في المدينة المصابة في (الصين)، وحملت طائرته رعايا دول عربية أخرى معها في رحلة العودة إلى الوطن. قام الأردن بتوجيه نداء إلى مواطنيه خارج بلدهم يناشدهم فيه العودة للوطن وحدد تاريخًا لن يسمح بعده لأي بالدخول. ومن باب التحوّط والوقاية؛ قام هذا البلد الفقير ماديًا بالحجر على جميع من قدموا من مواطنيه ومواطني بلاد أخرى قدموا معهم ويزيد عددهم على خمسة آلاف في فنادق من ذوي الدرجات العليا مع كافة الخدمات ولمدة أربعة عشر يوماً هي المدة التي قد تظهر علامات الإصابة خلالها على الإنسان.

جنّد الأردن جيشه وقوات الأمن فيه إضافة إلى جيش جرّار من ذوي الرداء الأبيض من أطباء وممرضات وممرضين، وجهز مستشفيات لغرض عزل وعلاج المصابين. قام هذا البلد بمبادرات من الحكومة و ممّن يستطيع من مواطنيه بمساعدة المحتاجين بالمواد العينية والمال حتى يتمكنوا من العيش وسط الحظر المفروض وتعطيل الأعمال. وقد سمح للعديدين خلال ساعات معينة بالتسوّق من محال معينة صغيرة مع الحرص على عدم التجمع وضرورة ارتداء الكمامات والقفازات وسط انضباط كبير رائع من معظم المواطنين حفاظًا على وقايتهم بمساعدة ومبادرة النشامى من أفراد الجيش والأمن، كانوا يحمون الوطن ويساعدون المحتاج.

كانت الحكومة تقوم بالتواصل باستمرار مع المواطنين بشكل فيه الاحترام واللطف والمشاركة في الرأي والقرار. تضعهم أوّل بأوّل بمجريات الأمور بحيث تم حصر انتشار الوباء وملاحقته أينما يظهر بل يهاجمونه في الأماكن التي(يحتمل) انتشاره فيها لحصره في أدنى حدوده.

في المواقع الأخرى من الدنيا؛ لم يأخذ عدد من كبار الدول والتي تحسب على أعلى درجات التطوّر الوباء على محمل الجدّ. استصغروه قياسًا بكبريائهم كعادتهم باستصغار الغير من شعوب وأمم، تأخّروا في أخذ الاحتياطات اللازمة لحماية مواطنيهم فوقعوا فريسته. وكانت الضّحايا بالآلاف وما زال الحبل على الجرّار، قلوبنا معهم.

ليس دائماً، تقاس أهميّة ومقدرة الإنسان والدول كبيرها أو صغيرها، بالمساحة بعدد السكان بتريليونات من ورق أخضر في خزائنها، بناطحات السحاب فيها، بحاملات الطائرات بالعديد والعُدد، بل تقاس بعزم الرّجال ووعهم وحرصهم على وطنهم ومواطنيهم ولو كان بلداً بحجم... حاملة طائرات. ندعوا الله عز وجل أن يجنّب الخلق (جميعهم) شرّ هذا البلاء.