ما نواجهه اليوم على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي يقع في مساحة اللامتوقع لهذا لن تجد أحدًا ليقول لك ماذا سنفعل بعد شهر من اليوم، حتى نماذج انتشار العدوى والسيطرة عليها تقترح سيناريوهات مختلفة بناءً على معطيات احتمالات متغيرة، تتقاطع كلها في أهمية وحدة المجتمع وتماسكه وابعاده عن أي انقسام أو تبادل للتهم، وفي أهمية الشفافية الحكومية في نشر المعلومات والأرقام وتطبيق القانون على الجميع لتحوز ثقة المواطنين وتعاونهم، والثابت هنا أن خياراتنا اليوم هي ما ستحدد واقعنا غدًا.
الخيار الأردني في التعامل مع الوباء هو أولوية الانسان على الاقتصاد، لكننا قريبًا سنجد أنفسنا أمام خيارات صعبة لمواجهة تبعات الكورونا، تتطلب منا قرارات جريئة، تحتاج دعمًا وتفهمًا شعبيًا لها لتنجح، فالمديونية ستزداد، وسنعيد تعريف الاولويات والعادات الاستهلاكية وأنماط الحياة والعمل وسيطالب المجتمع بعدالة توزيع فاتورة الكورونا على الجميع.
حسب دارسة قام بها مركز الدراسات الاستراتيجية قدمت مسحًا لتداعيات الوباء وإجراءات السيطرة عليه على المدى القصير فحوالي (67%) من اصحاب العمل يفكرون بالاستغناء عن خدمات بعض الموظفين في حال استمرت الأزمة لفترة أطول و(44%) من العمال في القطاع الخاص لم يتسلموا رواتبهم عن شهر آذار ثلثهم لجأ للاستدانة لتدبير امورهم المعيشية، وبالمحصلة تبين أن نحو (78%) من العاملين في القطاع الخاص وعمال المياومة تأثروا سلبا نتيجة إجراءات الحظر.
التقديرات العالمية تتكهن بطول أزمة الكورونا واحتمالية حدوث موجة ثانية من العدوى في حال التخلي عن التباعد الاجتماعي والقيود على الحركة والسفر وتقترح فترات متتالية من الحظر وحرية الحركة، أما اللقاح الذي سينهي الخطر فيحتاج على أحسن التقديرات لسنة ليتم تصنيعه وتوزيعه، أما الاجراءات الحكومية الحالية فهي تصب في تسطيح منحنى العدوى للحيلولة دون ارباك القطاع الطبي وإبقاء حالات الإصابة تحت خط امكانياته وقدراته الاستيعابية، هذا على حساب اقتصادنا الذي يعاني من البطالة والفقر وحالة جمود اقتصادي عالمي وتوقعات كساد مرتفعة.
التدخل الحكومي ضروري لتسطيح منحنى الازمة الاقتصادية، ولا يتوقف عند خفض معدلات الفائدة أو مطالبة البنوك بتسهيل إجراءات سداد دفعات القروض للمستثمرين فقط، فهذا لا يمنح فرصة للشركات المتوسطة والصغيرة للصمود، فالأزمة موزعة على العرض والطلب بالتساوي، ولابد لنا من تخفيف العبء الضريبي على الجميع، حتى نمكن التاجر من تحفيز الطلب بخفض الأسعار، ونزيد من قدرة وقوة المواطن الشرائية، وكذلك يجب تقليل الاعباء التشغيلية على القطاعات المتضررة مؤقتاً، بمساهمة الحكومة في دفع أو تخفيف تكاليف الطاقة والمياه واشتراكات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي للموظفين.
الأزمة الاقتصادية حقيقية وخطيرة ولها تداعياتها الاجتماعية والسياسية كالوباء الذي نواجهه، لهذا نحتاج الى تسطيح منحنى تأثيرها حتى نخفف الصدمة، ونتمكن من شراء الوقت لرسم استراتيجية توازن بين قدرات تحملنا الاقتصادية وإمكانيات قطاعنا الطبي، وتقدم رؤية مقنعة للشارع الأردني، توازن بين المصالح العامة للمجتمع والدولة ومصلحة الفرد الشخصية، وتؤكد على المساواة في تحمل الأعباء.